علاء خيراوي
سعدت جداً بالرسائل الأخيرة التي نشرها الدكتور عبد الله حمدوك، والتي دعا فيها إلى عقد اجتماعي جديد للسودان، باعتباره المدخل الحقيقي لإنهاء الأزمة التاريخية للدولة السودانية، لا مجرد إيقاف الحرب. وقد ركز في طرحه على أن الحرب ليست أصل الأزمة، بل نتيجة لفشل الدولة في إدارة التنوع، ودعا إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وصياغة دستور جديد، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية. فمنذ سنوات، ظل النقاش السوداني يدور في حلقة تكاد لا تنتهي. نتجادل حول الحكومات، ونختلف حول الأشخاص، ونتصارع حول السلطة، ثم نكتشف، بعد كل أزمة، أننا عدنا إلى النقطة نفسها.
ويسعدني كذلك أن أشارككم أنني كنت قد بدأت، منذ عدة أشهر، العمل على مشروع بحثي متكامل حول هذا الموضوع المحوري والمصيري الهام، انطلاقًا من القناعة نفسها بأن أزمة السودان هي، في جوهرها، أزمة تأسيس الدولة. وقد أنجزت مسودة كتاب بعنوان؛
“العقد الاجتماعي الجديد للسودان… نحو جمهورية المواطنة والعدالة والمؤسسات”، أحاول من خلاله تقديم رؤية متكاملة لإعادة تأسيس الدولة السودانية من خلال بناء عقد اجتماعي جديد، يبدأ بتفكيك جذور الأزمة التاريخية للدولة منذ الاستقلال، ثم يناقش الأسس الفلسفية للعقد الاجتماعي، ومفهوم الشرعية، والمواطنة، والحقوق والحريات، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وبناء المؤسسات، والعلاقة بين الجيش والدولة، والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإدارة التنوع والهوية، والعلاقة بين الدين والدولة، واللامركزية وتقاسم السلطة والثروة، والتنمية والاقتصاد، والتعليم والثقافة، والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والسياسة الخارجية، وصولًا إلى تصور عملي للجمهورية السودانية الجديدة، باعتبارها دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون، والمؤسسات، وتستمد مشروعيتها من الإنسان السوداني، لا من القوة أو الأيديولوجيا أو الانتماءات الضيقة.
فكرة العقد الاجتماعي في جوهرها ليست جديدة، فهي واحدة من أعظم الأفكار التي أنجبتها الفلسفة السياسية الحديثة، وشكلت أساس بناء كثير من الدول الديمقراطية. لكن لكل أمة عقدها الاجتماعي الخاص، الذي يولد من تاريخها، وثقافتها، وأزماتها، وتطلعات شعبها. ومن هنا جاءت هذه المحاولة، لا لاستيراد نظرية جاهزة، وإنما للمساهمة في صياغة رؤية سودانية أصيلة لعقد اجتماعي جديد، يستلهم التجارب الإنسانية، دون أن يستنسخها.” ليس تعليقًا على الأزمة… بل محاولة للإجابة عنها.
فلقد شهدت الساحة السودانية خلال العقود الماضية عددًا من الإسهامات الفكرية والبحثية التي تناولت أزمة الدولة وسبل إعادة تأسيسها، كلٌ من زاويته الخاصة. فقد قدم الدكتور منصور خالد إسهامات رائدة في تحليل أزمة الحكم والدولة، وركز الدكتور فرانسيس دينق على قضايا الهوية والتنوع وإدارة الاختلاف، بينما انشغل الدكتور الواثق كمير بملفات السلام والتحول الديمقراطي والإصلاح الدستوري، ودعا الدكتور محمد علي جادين مبكرًا إلى المؤتمر الدستوري القومي باعتباره مدخلًا لبناء دولة جديدة. كما أسهمت لجنة تسيير نقابة المحامين السودانيين من خلال مشروع الدستور الانتقالي، إلى جانب دراسات المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA)، وأعمال المركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام، في إثراء النقاش حول مستقبل الدولة السودانية. وفي الآونة الأخيرة، ليأتي هذا الكتاب في سياق هذا التراكم الفكري، مستفيدًا من تلك الإسهامات ومتحاورًا معها، لكنه يسعى إلى تقديم رؤية أكثر شمولًا تجمع بين الفلسفة السياسية، والتجربة التاريخية السودانية، والدروس المستفادة من تجارب بناء الدول، في محاولة لصياغة مشروع متكامل لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
من أكثر الأخطاء شيوعًا في الخطاب السياسي والإعلامي السوداني الخلط بين العقد الاجتماعي والدستور، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان أحيانًا وكأنهما مترادفان، بينما يفصل بينهما فرق جوهري. فالعقد الاجتماعي هو الاتفاق الفلسفي والسياسي الذي يجيب عن الأسئلة الكبرى؛ من نحن؟ وما شكل الدولة التي نريدها؟ وما المبادئ والقيم التي تنظم علاقتنا ببعضنا وبالدولة؟ ومن أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ أما الدستور فهو الوثيقة القانونية التي تُترجم تلك المبادئ إلى نصوص ملزمة تحدد نظام الحكم، واختصاصات السلطات، والحقوق والحريات، وآليات ممارسة السلطة والرقابة عليها. وبعبارة أخرى، فإن العقد الاجتماعي يسبق الدستور منطقيًا وسياسيًا؛ إذ لا يمكن كتابة دستور مستقر قبل أن يتفق المجتمع على الأسس التي يقوم عليها. وقد دفعت كلفة هذا الخلط السودان إلى دوامة متكررة من كتابة الدساتير وتعديلها وإلغائها، بينما ظل الخلاف الحقيقي حول طبيعة الدولة نفسها بلا حسم. لذلك فإن الطريق إلى دستور دائم لا يبدأ بلجنة لصياغة الدستور، وإنما يبدأ بحوار وطني عميق يفضي إلى عقد اجتماعي جديد يكون الدستور ثماره الطبيعية، لا نقطة انطلاقه.
واهم ما في الكتاب انه لا يناقش الأحداث اليومية، ولا ينحاز إلى طرف سياسي بعينه، وإنما يحاول أن يجيب عن سؤال أكبر؛ كيف يمكن للسودانيين أن يؤسسوا دولة حديثة تمنع تكرار الحروب والانقلابات، وتحول التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى سبب للصراع؟ والعمل لا يقف عند الجانب النظري، بل ستتبعه مرحلة توثيق علمي واسعة، تتضمن مئات المراجع العربية والإنجليزية، والدساتير المقارنة، وتجارب الدول التي نجحت في إعادة بناء نفسها بعد الحروب والانقسامات، حتى يصبح الكتاب مرجعًا فكريًا جادًا، لا مجرد عمل سياسي عابر.
واعتبارًا من الأيام المقبلة، سأبدأ في نشر الكتاب على هيئة حلقات متسلسلة، حتى يتاح للقراء مناقشة الأفكار وإثراؤها بالحوار والنقد، إيمانًا بأن بناء العقد الاجتماعي ليس مهمة كاتب واحد، بل مشروع يخص جميع السودانيين. وبعد اكتمال نشر الحلقات، ومراجعتها علميًا، وتوثيقها، ستصدر بإذن الله في كتاب واحد يحمل هذا المشروع الفكري المتكامل، ليكون مساهمة متواضعة في النقاش حول مستقبل السودان، ودعوة إلى الانتقال من الصراع على السلطة إلى الاتفاق على الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الجمهورية التي يستحقها السودانيون جميعًا. فالكتب لا توقف الحروب، لكنها قد تساعد الأمم على طرح الأسئلة الصحيحة. وإذا نجح هذا المشروع في أن يدفع السودانيين إلى التفكير في الدولة قبل التفكير في السلطة، فسأعتبر أن الجهد لم يذهب سدى.
وإذا نجح هذا الكتاب في إثارة نقاش وطني جاد حول الدولة التي يستحقها السودانيون، حتى وإن اختلف القراء مع بعض ما ورد فيه، فسأعتبر أن الغاية التي كُتب من أجلها قد تحققت. فالأمم لا تتقدم عندما تتفق على كل شيء، وإنما عندما تتفق على أن الحوار، لا الحرب، هو “الطريق إلى المستقبل.”
khirawi@hotmail.com
