تقدم العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس تصوراً مهماً للديمقراطية: المجتمع الديمقراطي لا يحسم خلافاته بالعنف، وإنما بالحوار والحجة والمشاركة الحرة. ولا يرى هابرماس أن الدين يجب أن يُطرد من المجال العام، بل إن المتدينين لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية، بشرط قبولهم بالتعددية وحقوق المواطنين المتساوية.
لكن التجربة السودانية تكشف حدود هذا التصور عندما تكون الدولة والمجتمع ضعيفين، بينما تمتلك جماعة دينية منظمة أدوات القوة والمال والتنظيم.
فالمشكلة في السودان لم تكن مجرد خلاف فكري بين الإسلاميين والقوى المدنية. فقد سعت الحركة الإسلامية إلى الاحتفاظ باحتكار السلطة والنفوذ داخل الدولة، ولم تقبل بنتائج التحول الديمقراطي إلا بالقدر الذي يخدم استمرار نفوذها.
وقد جاءت انتفاضة ديسمبر 2018 لتقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة. استطاع السودانيون إسقاط نظام البشير بثورة شعبية سلمية واسعة، لكن الثورة لم تستطع وحدها تفكيك البنية التي أقامها الإسلام السياسي داخل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الاقتصادية والأمنية. وانتهى الانتقال الهش في النهاية إلى صراع مسلح وحرب مدمرة.
وهنا تظهر مشكلة أساسية في العقلانية التواصلية: الحوار يفترض وجود أطراف مستعدة لقبول قواعد الحوار. أما إذا كان أحد الأطراف يستخدم الحوار والانتخابات للوصول إلى السلطة، ثم يرفض تداولها ويحتفظ بأدوات القوة خارج المجال الديمقراطي، فإن الحوار وحده يصبح عاجزاً عن حماية الديمقراطية.
من التواصل إلى حماية المجال الديمقراطي
لذلك لا يكفي في الحالة السودانية أن نقول: دعونا نترك جميع القوى تتنافس في انتخابات حرة.
فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد إجرائها. يجب أولاً أن تتوافر شروط تجعل المنافسة عادلة، وأن تكون الدولة محايدة، وأن تكون أجهزة الأمن والجيش خاضعة للقانون، وأن لا تستطيع جماعة تمتلك المال والتنظيم والسلاح أن تستخدم الدولة أو مؤسساتها لتغيير نتائج المنافسة.
ومن هنا فإن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى تغيير موازين القوى لصالح المجتمع المدني والقوى الديمقراطية، ليس بإقامة سلطة عسكرية جديدة، وإنما بتفكيك البنية التي تجعل أي جماعة قادرة على احتكار الدولة.
وقد يتطلب ذلك دعماً دولياً وإقليمياً قوياً للانتقال، بما في ذلك الضغط السياسي والاقتصادي، والمساعدة في بناء مؤسسات الدولة، ومنع تمويل القوى المسلحة أو السياسية التي تعمل على تقويض الانتقال.
كما أن حماية الدولة قد تتطلب، في مرحلة الانتقال، إجراءات قانونية استثنائية ومحددة ضد التنظيمات أو الأفراد الذين يثبت تورطهم في تقويض النظام الديمقراطي أو استخدام العنف السياسي. لكن هذه الإجراءات يجب أن تخضع للقانون والقضاء، وألا تتحول إلى وسيلة لإقصاء الخصوم السياسيين.
استعادة الدولة قبل إجراء الانتخابات
الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الانتخابات يمكن أن تكون نقطة البداية.
في الحالة السودانية، قد تكون الانتخابات ثمرة لإعادة بناء الدولة وليست بديلاً عنها.
فلا بد أولاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية والقانون، وتفكيك شبكات الفساد والتمكين، واستعادة الأموال العامة المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق إجراءات قضائية عادلة.
بعد ذلك يمكن بناء نظام سياسي تعددي يسمح للجميع بالمشاركة، بمن فيهم الإسلاميون، إذا قبلوا صراحة بقواعد الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة.
وهنا يصبح الفرق واضحاً بين محاسبة تنظيم سياسي على جرائمه وبين محاسبة الناس على أفكارهم أو معتقداتهم. الديمقراطية لا تعاقب الإنسان لأنه متدين، لكنها لا تمنح أي تنظيم حصانة من القانون لأنه يرفع شعار الدين.
لماذا فشلت الوساطات؟
تكشف الحرب السودانية أيضاً أن الوساطات الدولية والإقليمية وحدها لا تكفي عندما يكون المحيط السياسي نفسه لا يقوم على تعددية ديمقراطية راسخة.
فالوسيط يحتاج إلى قدر من الاستقلال والمصداقية والقدرة على الضغط على الأطراف. وإذا كانت المصالح الإقليمية متعارضة، وبعض الدول نفسها لا تقوم على نظام ديمقراطي تعددي، تصبح الوساطة أكثر عرضة للتحول إلى إدارة للصراع بدلاً من إنهائه.
لذلك يحتاج السودان إلى تغيير في موازين القوى الداخلية، مدعوماً بضغط دولي وإقليمي منسق، وليس إلى اتفاق آخر يعيد إنتاج القوى التي أشعلت الصراع ثم يطلب منها إدارة الانتقال.
الدرس الذي تضيفه تجربة السودان
إلى هابرماس
لا تنقض تجربة السودان العقلانية التواصلية، لكنها تكشف شرطاً مهماً أغفلته القراءة المثالية لها:
لا يمكن أن يكون الحوار بديلاً عن بناء القوة المؤسسية التي تحمي الحوار.
فالديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، ودولة قانون، وإعلام حر، وقضاء مستقل، ومؤسسات أمنية وعسكرية مهنية، واقتصاد لا تستطيع جماعة سياسية أن تسيطر عليه.
وبدون ذلك قد تتحول التعددية إلى مجرد فرصة للقوة الأكثر تنظيماً ومالاً وسلاحاً لكي تستولي على الدولة.
ومن هنا فإن حماية الديمقراطية في السودان لا تعني إلغاء الإسلاميين، وإنما منع أي تنظيم، إسلامياً كان أو غير إسلامي، من احتكار الدولة أو استخدام السلاح والمال والنفوذ لتدمير التعددية.
والانتخابات في النهاية ليست نقطة البداية، بل نقطة الوصول: بعد إسقاط احتكار السلطة، وحماية الدولة، واستعادة المال العام، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة بناء المؤسسات، وتغيير موازين القوى بما يجعل المنافسة السياسية حقيقية وعادلة.
وهذا هو الدرس الأهم الذي تضيفه التجربة السودانية إلى العقلانيةه التواصلية: التواصل يحتاج إلى مؤسسات تحميه، والديمقراطية تحتاج إلى قوة قانونية تحميها من الذين يريدون استخدامها لإلغائها.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
