أصداء الوعي
بقلم: آدم أبكر عيسى
حين نتأمل العقل السياسي السوداني، لا نجد أمامنا مجرد أزمة حكم أو تعاقب أنظمة، بل بنية أعمق تكوّنت عبر تاريخ طويل من ثلاثة محددات متشابكة: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة. وهي لا تعمل كعناصر وصفية جامدة، بل كآليات حيّة تُنتج السلوك السياسي، وتضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والثروة، وبين الشرعية والقوة.
القبيلة ليست مجرد إرث اجتماعي، بل منطق كامل للولاء والانتماء. وفي السودان، ظلت تعمل في العمق حتى حين بدا الحديث عنها من ماضٍ بعيد. تسيّست القبيلة، وسياسَتْ، فصار الولاء لها يسبق الولاء للدولة، وصار التنظيم السياسي نفسه نسخة مصغّرة منها: قلة تملك القرار، وحلقة تحيط بها تنفّذ بلا سؤال، وجماهير تُستدعى للتأييد لا للمشاركة. هكذا يصبح الحزب امتدادًا لشخص، والدولة تكبيرًا لعائلة.
والأخطر من ذلك أن أبناء القبيلة حين يكون زعيم الحزب منهم، لا يرون أنفسهم جزءًا من التنظيم بل أصلَه، يتحدثون وكأن الحزب ماركة حصرية لهم، وينظرون إلى الآخر كدخيل. تغيب آليات المحاسبة التنظيمية، ويصعد الأقارب والأصهار إلى أعلى القيادة لا لأنهم الأكفأ، بل لأنهم من أهل الزعيم. وحتى إن كانوا أكثر قدرة، فإن صعودهم بهذه الطريقة يظل خرقًا للنظام، لا استحقاقًا مؤسسيًا. وهكذا تتحوّل القبيلة إلى “خزان انتخابي” جاهز، حيث يصوّت أفرادها لمرشح الإجماع القبلي، فيمنحهم ذلك نفوذًا مباشرًا داخل برلمان الدولة. وتعتمد أنظمة كثيرة على “العصبيّة القبلية” لتأمين المراكز الحساسة: فتُملأ مناصب الجيش والمخابرات والحرس الجمهوري من أبناء قبيلة الحاكم أو القبائل الحليفة، وتُوزّع المناصب الوزارية والدبلوماسية كحصص للقبائل الكبرى مقابل السلم الاجتماعي وتأييد السياسات. والنتيجة تآكل مفهوم المواطنة، وضعف مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب، وتقدّم الولاء للقبيلة على الولاء للدولة الوطنية.
والغنيمة ليست مجرد ثروة، بل علاقة بين الدولة والاقتصاد تقوم على التوزيع لا الإنتاج. اقتصاد ريعي هش يعتمد على تصدير الخام دون قدرة على البناء، فتتسرب الثروة خارج الخزانة، ويصبح الصراع السياسي صراعًا على الاقتسام لا على الإنتاج. وحين تصبح الغنيمة محور العلاقة بين السلطة والمجتمع، تفرغ السياسة من بعدها التنموي، وتتحول إلى سوق للامتيازات.
والعقيدة، حين تتحول من أفق قيمي جامع إلى علامة هوية وسند سلطوي، تكمل انتقالها من الهداية إلى أداة الصراع. في السودان، تحولت تدريجيًا من طاقة فكرية إلى آلية انغلاق، ومن إطار يستوعب التعدد إلى ذخيرة لشرعنة الحرب وبناء العدو. وحين حلّ خطاب المجاهدين محل خطاب الحكم الرشيد، لم تعد العقيدة تهدي، بل تُعبّئ وتُقصي.
المشكلة ليست في وجود هذه المحددات، بل في أنها لم تمرّ قط عبر مجال سياسي مستقل يوسّطها ويحوّلها إلى قضايا قابلة للجدل والتدبير. القبيلة تتحول مباشرة إلى ولاء سياسي، والغنيمة تحكم مباشرة علاقة الدولة بالمجتمع، والعقيدة تحدد مباشرة من يحق له الكلام ومن يُستبعد. والنتيجة أن السلطة تتركز في الشخص، وتفرغ المؤسسة من مضمونها، ويغيب المشروع السياسي لا لغياب الإرادة، بل لغياب البنية التي تجعله ممكنًا.
وسطوة الزعيم وغياب المشروع ليسا نقيضين، بل وجهان لحقيقة واحدة. فالمشروع يحتاج مؤسسات وقواعد ومساءلة، وهذه بالضبط ما يمنعه الحكم المباشر للمحددات الثلاثة. فيُقفل العقل السياسي على إدارة الأزمة: كل فعل ردّ على أزمة سابقة، وكل حلّ يراكم شروط الأزمة التالية.
والخروج لا يقتضي إلغاء هذه المحددات، فهي واقع ما يزال حيًا، بل يقتضي بناء بنى وسيطة تجعلها تُعالج سياسيًا: قبيلة تتحول إلى تنظيم مدني، وغنيمة تتحول إلى عقد ضريبي وإنتاجي، وعقيدة تتحول إلى رأي عام متعدد محمي. عندها فقط يمكن للسياسة أن تُمارَس بالسياسة، وللمشروع أن يجد تربة ينمو فيها.
