lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في كل مرة يتأمل فيها المواطن العربي أو الأفريقي حال دوله، ينهض السؤال ذاته من تحت الرماد: لماذا يغيب العقل عند حكّامنا؟ ولماذا تتحول السلطة، ما إن تستقر في يد فرد أو مجموعة ضيقة، إلى طاقة تعطل التفكير، وتجهض الحكمة، وتفتح الباب واسعاً لدوامة الأخطاء؟ إن هذا الغياب ليس ظاهرة شخصية مرتبطة بمجرد طبع الحاكم أو تكوينه النفسي، بل هو بناء معقد تتداخل فيه الثقافة السياسية، والبنية الاقتصادية، وطبائع المجتمعات، وغياب المؤسسات، وتاريخ طويل من الحكم الأبوي والاستبداد. لذلك، يصبح من الضروري فهم هذا السلوك لا كتقويم لشخصية فرد، بل كتشريح لبنية كاملة تُنتج الحكام وتعيد إنتاجهم بالطريقة نفسها جيلاً بعد جيل. الحاكم في العالم النامي غالباً ما يدخل السلطة محمّلاً بآمال كبيرة، لكنه ما إن يستقر على الكرسي حتى يبدأ في التحول تدريجياً. يتحول من قائد يريد التغيير إلى حارسٍ يريد البقاء. ومع هذا التحول يتضاءل العقل وينكمش، بينما يتضخم الإحساس بالعظمة واليقين. ولعل أخطر ما يصيب العقل الحاكم هو تلك اللحظة التي لا يعود يرى فيها نفسه جزءاً من الدولة، بل الدولة نفسها. هنا تتحول كل محاولة للنقد إلى تهديد، وكل فكرة جديدة إلى مؤامرة، وكل رأي مخالف إلى بادرة تمرد. ومن هنا يبدأ الانفصال بين الحاكم والواقع، ويبدأ العقل في الغياب. وليس غياب العقل إلا نتيجة طبيعية لغياب المؤسسات. فالدول التي لا تحكمها مؤسسات مستقلة، ولا تحرسها قوانين واضحة، تصبح رهينة مزاج الفرد الذي يتربع على قمة هرم السلطة. وحين تتآكل المؤسسات، يفقد الحاكم المرآة التي تعكس له الحقيقة. يحيط نفسه بمن يوافقه، ويعزل كل من يملك الشجاعة على قول ما يجب أن يُقال. في هذا المناخ، يتوقف العقل الجماعي الذي وحده قادر على توازن الدولة والاستبصار بمخاطر المستقبل. وتتحول القرارات إلى أوامر، والحوار إلى توجيهات، والاختلاف إلى جناية سياسية. إن دولة بلا مؤسسات قوية هي دولة بلا عقل، مهما كان الحاكم نفسه متعلماً أو مثقفاً. ثم تأتي ثقافة التقديس لتكمل الدائرة. في مجتمعاتنا، لا يزال الحاكم يطلب احتراماً يشبه العبادة، ويُعامل بقداسة تفوق قداسة القانون ذاته. وحين يتقدس الحاكم، يموت التفكير. وحين يصبح القائد فوق النقد، يصبح الوطن تحت الخطر. ومن عجبٍ أن كثيراً من الحكام لا يحتاجون إلى من يقدسهم؛ فالشعب نفسه، بفعل تاريخ طويل من القمع والخوف، يصنع للحاكم هالة من العصمة، ويخشى مساءلته خشية العواقب. وهكذا يصبح التملق لغة رسمية، ويصبح الصمت فضيلة، وينزوي العقل في زاوية مظلمة. ويغيب العقل أيضاً حين يصبح الإعلام جزءاً من السلطة لا جزءاً من المجتمع. الإعلام الموجَّه هو أخطر أدوات تغييب العقل عند الحاكم قبل المواطن. فحين تُحجب الحقائق عن الشعب، تُحجب كذلك عن القيادة. وما أبعد الفرق بين حاكم يرى الواقع كما هو، وآخر لا يرى إلا تقارير مصنوعة بعناية لترضيه وتبارك خطواته. وهكذا يحكم الحاكم في العتمة، ويقرر بلا دليل، ويخطئ بلا مراجعة. إن السلطة التي تخاف من الحقيقة تخون نفسها أولاً، قبل أن تخون شعبها. وفي ظل هذه البيئة الخانقة، يتضخم الخوف من الاعتراف بالأخطاء. الحاكم الذي يصل إلى السلطة بطرق غير ديمقراطية، أو يستمد شرعيته من القوة لا من الإرادة الشعبية، يرى في الاعتراف بالخطأ ضعفاً وفي المراجعة هزيمة. لذلك، يواصل السير في الطريق ذاته، حتى لو كان طريقاً يؤدي إلى الانهيار. يختار المكابرة على العقل، ويختار العناد على الحكمة، ويختار الاستبداد على الإصلاح. ومن هنا تنشأ الأزمات: الاقتصاد يترنح، السياسيون ينقسمون، المجتمع يختنق، بينما الحاكم يواصل خطاباته واحتفالاته وكأن شيئاً لا يحدث. وقد أدى هذا الغياب للعقل في الحكم إلى نتائج كارثية على دول كثيرة. فالتاريخ يعطينا أمثلة مؤلمة: دول انهارت بسبب قرارات فردية، وأخرى غرقت في النزاعات بسبب العناد السياسي، وثالثة ضاعت ثرواتها في مشاريع لا جدوى لها لأن الحاكم لم يجد من يقول له: توقف، أنت مخطئ. وفي كل تلك التجارب، كان العامل المشترك هو غياب العقل وتغليب الولاء على الكفاءة. فحين يتحول الحكم إلى غنيمة، لا إلى مسؤولية، يصبح الوطن مجرد مساحة لإدارة النفوذ، لا لبناء المستقبل. لكن السؤال الأهم: هل يمكن استعادة العقل في الحكم؟ نعم، ولكن ذلك يحتاج إلى إصلاحات جذرية تبدأ من بناء المؤسسات لا الأشخاص، ومن إحياء ثقافة النقد لا ثقافة الولاء، ومن الاعتراف بأن الحقيقة ليست ملكاً للحاكم ولا للحاشية، بل ملك للشعب وحده. يحتاج الحاكم إلى عقلين: عقله هو، وعقل الدولة المتمثل في المؤسسات والخبراء والوعي الشعبي. فإذا عطّل الثاني، تعثر الأول. وإذا صمت الشعب، ضلّ القائد. وإذا ضعفت المؤسسات، تلاشت الدولة. إن العقل الغائب ليس قدراً، بل نتيجة. والوعي الحاضر ليس معجزة، بل عمل طويل يعيد للدولة روحها وللمجتمع ثقته. وما دمنا نضع الحاكم فوق المساءلة، سنظل ندفن عقولنا معه في قمة الهرم. وما دمنا نُسلّم رقابنا لسلطة بلا حدود، سنظل ندفع أثماناً باهظة من أرواحنا وثرواتنا ومستقبل أوطاننا. أما حين يستيقظ الناس، ويتحرر الوعي، ويصبح الوطن أكبر من الحاكم، عندها فقط يعود العقل إلى الحكم، وتستقيم البوصلة، ويولد فجر جديد تستحقه الشعوب. هذا المقال محاولة لطرح السؤال بجرأة وتقديم إجابة لا تدعي الكمال، لكنها تسعى لإعادة فتح النقاش حول القضية الأهم في واقعنا السياسي: كيف نعيد للعقل مكانه الطبيعي في إدارة الدولة؟ وكيف نمنع السلطة من أن تتحول إلى مِحنَة، والحكم إلى عبء، والقيادة إلى كارثة؟ إن الطريق طويل، لكن أول خطوة فيه هي أن نعترف، بلا تردد، بأن العقل غائب… وأننا جميعاً مسؤولون عن إعادته.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم