الصادق حمدين
في كل مرة تخرج فيها أصوات تمثل التيار الإسلامي لتبرر العنف أو تلوّح به، يظن البعض أننا بلغنا القاع. لكن ما نُسب إلى العميد/كوز، طارق الهادي كجاب يكشف أن القاع يمكن أن يكون أعمق بكثير مما تصوره لنا إنسانيتنا الفطرية. فالدعوة إلى استهداف محطات تحلية المياه ومصادر الطاقة في دول الخليج العربي ليست مجرد موقف عدائي، بل إعلان صريح عن تبنّي منطق تدمير الحياة نفسها، فالماء والطاقة هما الحياة.
هذه ليست لغة سياسة، ولا حتى خطاب صراع تقليدي؛ إنها لغة تهديد جماعي تمسّ ملايين المدنيين في حقهم الأساسي في البقاء. الماء ليس ورقة ضغط، ولا هدفاً مشروعاً تحت أي ذريعة. ومن يتحدث عن ضرب مصادره، إنما يضع نفسه خارج كل إطار إنساني أو قانوني أو حتى سياسي إنها رغبة بهيمية لا تنطوي إلا على عداء سافر مع الإنسانية نفسها.
من وجه النظر القانونية، لا يحتاج الأمر إلى تأويل أو اجتهاد. استهداف المنشآت المدنية الحيوية، وعلى رأسها مرافق المياه، يُعد من أخطر الانتهاكات التي تندرج ضمن جرائم الحرب وفق القانون الدولي الإنساني. بل إن مجرد التحريض على ذلك يضع صاحبه في دائرة المساءلة القانونية الصارمة، لأنه يروّج لفعل محظور دولياً لما يحمله من عواقب كارثية وخيمة على السكان المدنيين.
أما من وجه النظر السياسية، فإن هذا الخطاب التحريضي يفضح ذهنية لا تؤمن بالدولة ولا بالعلاقات بين الشعوب، بل تتغذى على الفوضى وتعيد إنتاجها. إنها عقلية ترى في التصعيد غاية في حد ذاتها، وفي تدمير الاستقرار وسيلة. والأسوأ أن هذا الطرح يُغلّف أحياناً بخطاب أيديولوجي يمنحه غطاءً زائفاً، بينما هو في حقيقته خطاب إقصاء وعنف لا علاقة له بأي قيم دينية أو إنسانية.
لقد بنى طارق كجاب خطابه لسنوات على شعارات الهوية والانتماء العربي، مقدّماً نفسه بوصفه مدافعاً عن العروبة في نسختها “العباسية” القرشية الهاشمية، غير أن تصريحاته الأخيرة أسقطت هذا القناع دفعة واحدة. فالدعوة إلى استهداف منشآت حيوية في دول الخليج لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها انقلاباً كاملاً على كل ما ادّعاه سابقاً، وكشفاً صريحاً لمدى هشاشة ذلك الخطاب العروبي الذي ظل يردده أنا الليل وأطراف النهار.
ما يطرحه كجاب اليوم لا يعكس مجرد تناقض لفظي صارخ، بل يفضح ارتهاناً واضحاً لأجندة أيديولوجية تتقدّم على أي اعتبارات إنسانية أو إقليمية. فحين يصبح استهداف مصادر الحياة أمراً قابلاً للتبرير، تسقط كل الشعارات، ويتحوّل الحديث عن الانتماء إلى غطاء لفظي لا أكثر. وهنا يتبدّى المشهد بوضوح.
خطاب يرفع رايات كبرى في العلن، لكنه في الممارسة ينزلق إلى مسارات تصادمية تخدم قوى إقليمية عقائدية لم تجلب للمنطقة، منذ تحوّلات عام 1979، سوى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار. فمنذ ذلك الحين، تراجعت صورة اليمن السعيد تحت وطأة الأزمات فغشيته الكآبة، وخبا بريق لبنان الذي كان يُضرب به المثل في الجمال والحياة، وترسّخ الحزن في العراق كواقع يومي، بينما بات السلام في السودان هدفاً بعيد المنال، أشبه بما يُستدعى في الخيال ولا يتحقق على ارض الواقع.
ولا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي الصارخ في هذا المشهد. فالدول الخليجية التي تُستهدف اليوم بمثل هذه التصريحات، كانت في مراحل مختلفة سنداً إنسانياً واقتصادياً لشعب السودان الذي مرُ بأزمات قاسية. تجاهل هذه الحقائق، واستبدالها بخطاب عدائي متطرف، لا يعكس فقط نكراناً للجميل، بل يكشف انقطاعاً كاملاً عن الحس الإنساني السليم.
إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها لا تقف عند حدود فرد، بل تفتح الباب أمام تساؤل مشروع: أي بيئة فكرية تنتج هذا النوع من الخطاب؟ وأي تيار يمكن أن يتسامح مع دعوات تضرب في صميم حياة المدنيين؟ حين يصبح تعطيل أسباب الحياة جزءاً من الخطاب، فإن توصيف هذا النهج لم يعد مسألة رأي، بل مسألة تتعلق بطبيعته وخطورته.
السكوت على مثل هذه الدعوات ليس حياداً، بل تواطؤ غير مباشر مع خطاب يهدد الأمن الإقليمي والإنساني. والمطلوب اليوم ليس فقط الإدانة، بل موقف صارم يتمثل في المحاسبة القانونية، والمواجهة الفكرية، وتجفيف المنابع التي تغذي هذا النوع من الطرح الخطير.
في النهاية، لا يمكن تبييض خطاب يدعو إلى تعطيش الشعوب، ولا يمكن القبول بمن يحاول تحويل أبسط مقومات الحياة إلى أهداف مشروعة. هذه ليست قضية سياسية عابرة، بل اختبار حقيقي لمدى جدية العالم في مواجهة خطاب إرهابي يتقن ارتداء الأقنعة، لكنه يسقط أمام أول اختبار أخلاقي.
umniaissa@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم