العنف السياسي في السودان.. عندما تتحول الكلمات إلى وقود للحرب
من خطابات القادة إلى منصات التواصل ؛ وحرب الروايات الموازية: «اللسان جَبَّاد البلاء»
يعقوب حمدان – جورلي، لانكشير – المملكة المتحدة
في السودان، لا تقتصر الحرب الدائرة اليوم على الميدان، حيث تُستخدم المدافع والرشاشات؛ بل هناك معركة موازية لا تقل ضراوة، تُخاض بالكلمات والبيانات والتصريحات. هي حرب روايات، تبدأ من منابر القيادة العسكرية والسياسية، وتتسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتشكل واقعاً موازياً يساهم في تعميق الشرخ الاجتماعي والسياسي، ويحول اللغة من أداة تواصل إلى وقود للكراهية والعنف.
لغة الاستبعاد.. «الخيانة» كعنوان للصراع
منذ بداية المواجهات، بدا واضحاً أن الخطاب السياسي قد تخلى عن لغة الحوار. ففي خطابات الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، تبرز مفردات مثل ” المجد للبندقية”، “الخيانة” و”التمرد” كعناوين رئيسية للخصم. وفي تصريح له في مارس/آذار 2025، أكد البرهان بوضوح: “لن تكون هناك مصالحة مع الذين خانوا الوطن”.
من الناحية السياسية، يهدف هذا الخطاب لتأكيد الشرعية، لكنه يحمل في طياته تحولاً خطيراً: فالخصم السياسي يمكن التفاوض معه، أما “الخائن” فغالباً ما يُخرج من دائرة التسوية والمصالحة، مما يعني أن الحل السياسي يصبح أكثر تعقيداً كلما اتسعت دائرة الاتهام بالخيانة.
حميدتي والعطا.. حين تغيب لغة السياسة
على الجانب الآخر، جاء خطاب محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد قوات الدعم السريع، ليؤسس لمنطق الحسم العسكري، إبتداء من “تمطر حصو ” و ” فك الرسن” حيث أشار في تسجيل صوتي حديثا إلى أن قواته ستعود «أقوى وأكثر قوة وانتصارًا»، مؤكداً أن الوسيلة المعتمدة هي “فقط لغة السلاح”. وهنا تُطرح المفارقة جلية: فإذا كان السلاح هو البديل الوحيد، فأين مجال السياسة؟ تصبح الحرب غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق هدف سياسي.
وفي سياق متصل، الفريق أول ياسر العطا كما يقول السودانيون ” جابة وارمة ” حيث وسع دائرة المواجهة حين وصف مطاري نجامينا وأم جرس في تشاد بأنهما «هدفان عسكريان مشروعان» legimate military target و ذلك ضمن اتهامات بدعم الخصم. ورغم أن للتصريح سياقه الأمني، إلا أن انعكاسه على الخطاب العام يبقى كبيراً؛ فالحروب تتسع أحياناً بالكلمات قبل أن تتسع بالعمليات الميدانية.
مفارقات المشروع المدني.. بين الحلو والقوى الديمقراطية
لا تقتصر إشكالية الخطاب على القوى العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل المشاريع السياسية المدنية. فالمشروع الذي يقوده عبد العزيز الحلو، القائم على فكرة “السودان الجديد” والدولة المدنية والمواطنة المتساوية، يواجه اختباراً حقيقياً في ظل تحالفات فرضتها الحرب. ويبقى السؤال التحليلي المشروع: كيف يمكن لفكرة الدولة المدنية أن تتعايش مع منطق القوة العسكرية؟— السودان بلد المفارقات العجيب!!
كذلك الحال بالنسبة للقوى المدنية، التي رفعت شعارات “وقف الحرب” و”حماية المدنيين” متحدية شاعر “بل بس”، لكنها لم تكن بمنأى عن الاستقطاب، حيث دار النقاش حول حدود المشاركة في المستقبل السياسي، ومدى مشروعية استبعاد تيارات سابقة أو حالية. الأمر الذي يفرض التساؤل: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بلغة الإقصاء والاستبعاد المسبق؟ ربما سياقيا ربما تكون تلك الحجة مفهومة،و لكن حدية لغتها قد تؤجج نارا للعنف.
نحو خطاب إنساني.. عرمان وهالة الكارب
في مقابل هذا التأجيج اللغوي، تبرز أصوات تحاول إعادة القضية إلى جوهرها. فالقائد السياسي ياسر عرمان يعيد التركيز على جوهر الحرب، وهو حماية المدنيين، محولاً السؤال من “من المنتصر؟” إلى “من يحمي الإنسان؟”. ومن زاوية أخرى، تضيء الناشطة الحقوقية هالة الكارب على الجانب الأكثر هشاشة، حيث تركز على معاناة النساء والفتيات وما يتعرضن له من انتهاكات، لتقارن بذكاء بين خطاب “السيطرة على الأرض” وخطاب “حماية الكرامة والجسد” .
«اللسان جَلّاب البلاء».. حرب الكلمات على منصات التواصل
يقول المثل السوداني القديم: «اللسان جَلّاب البلاء». وقد تجلت هذه المقولة بصدق في الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي مثل التيكتوك و إكس و الفيسبوك الخ إلى ساحات قتال لغوي لا تقل شراسة عن الواقع. حيث تنضح فيه معاول اللغة و الملمات بأبشع انواع العنف و الشتم.
فمع سرعة انتشار الأخبار والصور، يغيب التمحيص، وتُستخدم المنصات لبث الروايات و السرديات المضادة، حيث تُقتطع المقاطع من سياقها، وتُعاد نشر مواد من فترات سابقة، وتُصاغ العبارات بطريقة تعمق الانقسام. والأخطر من ذلك، هو التحول التدريجي في الخطاب الرقمي من مواجهة «الجيش والدعم السريع» إلى اصطفاف اجتماعي أوسع تحت عنوان «نحن وهم». هذا التحول هو ما يخشى منه، لأنه يحول الخلاف السياسي إلى عداء اجتماعي وقبلي و جهوي يصعب تداويه.
من يربح حرب الروايات و السرديات؟
في خضم هذا الزخم، ينسى المراقب أن كل طرف يسعى لتقديم روايته بوصفها الحقيقة المطلقة: “أنا أمثل الدولة، وأنا أمثل الشعب”. لكن المواطن السوداني البسيط غالباً ما يكون خارج هذه الحسابات، لا يبحث عن نصر إعلامي، بل عن أمان وعودة للحياة الطبيعية.
إن المصالحة الوطنية المنشودة لا تعني بأي حال من الأحوال التسوية مع الجرائم أو التنازل عن العدالة؛ بل تعني رفض تحويل المسؤولية الفردية إلى اتهام جماعي، وتحميل القيادات مسؤولية قراراتها دون أن يدفع المدنيون ثمناً باهظاً لخلافاتهم.
نحو لغة للسلام.. هل تبدأ التعافي من الكلمات؟
لا يمكن بناء سلام دائم في السودان، طالما ظلت نظرة كل طرف للآخر تقوم على العداء والاستبعاد. فالسلام لا يحتاج فقط إلى توقيع القادة، بل إلى تغيير عميق في بنية الخطاب والنظرة إلى الذات والآخر.
إن أخطر ما في الأمر أننا قد نكون بصدد تمزيق النسيج الاجتماعي بفعل هذه الكلمات و اللغة المؤججة لاذكاء نار الصراع، تماماً كما تمزقه الرصاصات. وإذا كنا نسعى لإعادة بناء ما دمرته الحرب، فإن أول ما يجب إعادة بنائه هو لغتنا؛ لغة تُقيم الحد الفاصل بين النقد والتحريض، وبين الاختلاف والعداء.
قد تكون الكلمات هي التي أشعلت هذه المعركة، لكنها وحدها القادرة على أن تكون بداية طريق الخلاص، متى ما التزمت بصدق الحقيقة، ورحمت إنسانية الإنسان.
لله درك يا وطني!!!
