العودة الى سنار… لكن ليست القصيدة

خالد هاشم خلف الله
Kld.hashim@gmail.com
سار المستكشف الفرنسي بيير سافورنيا دو برازا(١٨٥٢- ١٩٠٥) عبر ادغال وسط أفريقيا فى منطقة حوض نهر الكونغو، وتقاطع سيره هذا مع سير مستكشف اخر هو الإنجليزي هنري مورتون ستانلي ( ١٨٤١- ١٩٠٤) الذى كان يجوب ذات المناطق فى رحلات استكشاف لصالح ملك بلجيكا ليوبولد الثاني (١٨٦٥- ١٩٠٩) و فى النقطة التي تلاقى فيها الرجلان دى برازا وستانى غرس علم ليصبح حدوداً بين مناطق النفوذ البلجيكية التي يمثلها ستانلي وبين مناطق النفوذ الفرنسي التي يمثلها دو برازا نقطة اللقاء بين الرجلين أصبحت بعد عدة عقود هي الحدود السياسية الفاصلة بين دولتين الكونغو تحت التاج البلجيكي والكونغو برازافيل والتي حملت اسم مستكشفها فرانسوا دو برازا ، هذه القصة تعطى نموذجا عن كيفية تكونّ الدول الافريقية الحالية وكيف تكونت خرائطها وحدودها السياسية مجرد نقاط تلاقى بين مستكشفين أوربيين أصبحت حدودا سياسية بين دول اسست وفق المصالح الأوربية ووفق نشاط وسرعة الرحالة والمستكشفين الاوربيين الذين مولت رحلاتهم الى مجاهيل أفريقيا الجمعيات الجغرافية التي نشأت داخل قصور الأسر المالكة الأوربية ، فإذا كانت اقطار اسيا جرى احتلالها عبر سلسلة الشركات الأوربية التي حملت اسم شركات الهند الشرقية وكانت منها البريطانية والهولندية والفرنسية ، فإن الجمعيات الجغرافية الملكية البريطانية والهولندية والالمانية والجمعية الجغرافية الفرنسية هي من نهضت بمهمة التمهيد للقوى الأوربية لاقتسام أراضي القارة الافريقية كمواطن نفوذ فيما بينها فى مؤتمر برلين الذى عقد فى شتاء ١٨٨٤-١٨٨٥وبعد عقود صارت مناطق النفوذ الأوربية تلك هي عينها الدول القومية الافريقية بحدودها التي نشأت طبقا لمصالح القوى الأوربية.
حدود السودان تكونت بنفس النسق ومن ثم دولته القطرية الحالية، طبقا لمصالح البريطانيين، مثلا تنازلوا لبلجيكا عن حاجز اللادو في غرب الاستوائية فى جنوب السودان وضم للكونغو، عملوا على كف مطامع الإمبراطور الحبشي يوحنا في أراضي السودان بعد ان أدعى ان أراضيه تمدد حتى ضفاف النيل الأزرق الى الجنوب قليلا من سنار فتنازلوا له عن إقليم بنى شنقول وهو إقليم لا شك فى انتمائه وانتماء سكانه للدولة السنارية.
ماذا يعنى هذا؟ يعنى ان الدول القطرية الافريقية والسودان واحدا منها بالطبع نشأت ليس بسبب نزعات شعور قومي بين المجموعات السكانية التي تسكنها بقدر ما ورثت هذه الدول حدودها عن القوى الأوربية بمعنى ان اخر ان الدولة القومية فى أفريقيا لم تكن نتيجة حركة شعور قومي مثلما حدث في أوربا بعد صلح وستفاليا في ١٦٤٨ فظهرت على أثره الدول القومية في المانيا وإيطاليا وفرنسا، والبلقان، واليونان، وفنلندا.
والسودان بحدوده السياسية الحالية يعد أبرز مثال على فشل الدولة القومية الافريقية المصطنعة وفقا لمصالح قوى استعمارية اجنبية اقتضت مصالحها عند وصولها وسيطرتها العسكرية ان تجمع شعوبا مختلفة ومتباينة في كل شيء تحت مظلة دولة واحدة وما آن استعدت القوى الاستثمارية للرحيل وحتى قبل ان تغادر بشكل نهائي حتى انفجرت التناقضات بأسرع مما لم يتوقع كما تجلى في أحداث توريت ١٩٥٥ ومنذ ذاك الوقت دارت عجلة حروب لا تتوقف بمبررات عدة ومن جهات مختلفة لكنها اثبتت جميعا خطل جمع متناقضات لا تجتمع تحت مظلة دولة قومية واحدة لا يوجد في واقع الحال ما يمكن ان يجمع تحت مظلة دولة واحدة مكوناتها ، أن حرب العدوان الجنجويدى كشفت عن طبيعة العلاقات السائدة بين مكونات ما يسمي بالدولة السودانية وهي طبيعة عداء وكراهية مستحكمة لا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عنها وأنكارها بإلباس الحرب مسميات أخري من شاكلة حرب الكيزان والفلول والنظام البائد فالمذابح التي نفذتها عصابات الجنجويد في الجزيرة وسنار والرهد كانت بدافع الكراهية وعلي ذات نسق الجرائم والمذابح التي ارتكبها حكم الجنجويدية المهدوية تحت حكم السفاح عبد الله التعايشى نهاية القرن التاسع عشر عبر ذات المجموعات الجنجويدية جماعات العطاوة التي تعتاش علي السلب والنهب والسرقة واسترقاق الأطفال والنساء بعد اختطافهم من ذويهم كما حدث لكثير من الفتيات اللائي جرى اختطافهن من الخرطوم خلال الحرب الحالية من قبل الجنجويد وبيعهن في الضعين والمجلد وفى امتدادات الجنجويد في تشاد وأفريقيا الوسطى.
أن النهاية التي يجب آن تؤول إليها هذه الحرب أن يتم التخلص من الإجزاء الضارة التي الحقها الحكمين التركي والإنجليزي بالدولة السنارية بحدودها التاريخية المعلومة والمحددة سلفا، أن بقاء ما يسمى بالدولة السودانية بصيغتها وتركيبتها الحالية هي وصفة لاستمرار حروب لاتنقضى ولا تتوقف، أن السودان بتركيبته الحالية أصلح وصف له أنه بلقان أفريقيا، والعلاج الناجع لوصفة حروب بلقان أفريقيا هي ذات وصفة العلاج التي أوقفت حروب البلقان في أوربا وهى أن تستقل كل جهة وجماعة ببلدها وأرضها وتواجه مصيرها.
أن آي أجندة لوقف الحرب الحالية يجب أن تتضمن وبشكل صريح وجلى منح حق تقرير المصير بمعناها الخارجي كما عرفّه الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه اتفاقية السلام الشامل والصراع الفكرى لكل أقاليم السودان طبقاً لحدود مديرياته في يوم الأول من يناير ١٩٥٦ واستنادا على سابقة برتكول ميشاكوش في يوليو ٢٠٠٢ والذي عرف حدود الجنوب بحدود المديريات الجنوبية عند استقلال السودان في مطلع يناير ١٩٥٦.

عن خالد هاشم خلف الله

شاهد أيضاً

بنيامين نتنياهو سيد الشرق الأوسط

خالد هاشم خلف اللهKld.hashim@gmail.comفى يوم واحد أغارت الطائرات الاسرائيلية على ثلاث دول عربية بداية الغارات …