دكتور الوليد آدم مادبو
ولعل هذه الحقيقة تفسر لماذا كانت الموسيقى، في حضارات كثيرة، ابنة الهامش قبل أن تصبح زينة المركز. فقد رافقت أغاني العمل الأفارقة المستعبدين في الحقول والسجون والسكك الحديدية، فوحّدت الحركة، وخففت وطأة الجهد، وحملت في طياتها الحنين والشكوى والأمل. ثم تحولت هذه الخبرة، عبر أجيال متعاقبة، إلى الروحانيات، ثم البلوز، فالجاز، قبل أن تصبح جزءًا من هوية الولايات المتحدة الثقافية. وما بدأ يومًا بوصفه صوتًا للمهمشين، انتهى ليصبح لغةً للعالم.
ولم تكن هذه الظاهرة حكرًا على التجربة الأمريكية. ففي الحضارة العربية والإسلامية، أسهم الموالي والزنج والقيان والمغنون في إثراء الموسيقى العربية وتطويرها، حتى غدت جزءًا من الذائقة الرفيعة في قصور الخلفاء ومجالس الأدباء. ويكفي أن نستحضر أسماء مثل إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، ثم زرياب الذي حمل هذا التراث إلى الأندلس، لندرك أن كثيرًا من التجديد الموسيقي بدأ خارج دوائر السلطة، قبل أن تتبناه النخب وتجعله عنوانًا للرقي والتحضر.
ولعل أبرز شاهد على مكانة الموسيقى في الفكر الإسلامي هو الفيلسوف أبو نصر الفارابي (ت 339هـ)، الذي أفرد لها كتابه الشهير «الموسيقى الكبير»، وهو من أعظم ما أُلّف في هذا الفن في تاريخ الحضارة الإسلامية. ولم ينظر الفارابي إلى الموسيقى بوصفها لهوًا أو تسلية، بل بوصفها علمًا له أصوله وقوانينه، يرتبط بالرياضيات كما يرتبط بالنفس الإنسانية. وقد درس النغم والإيقاع دراسة عقلية دقيقة، وبحث في أثر الموسيقى في الانفعالات والأخلاق، حتى غدت عنده أحد فروع الحكمة، لا مجرد مهارة فنية.
إن مجرد وجود هذا الكتاب يكشف أن الحضارة العربية الإسلامية، في عصر ازدهارها، لم تكن تنظر إلى الموسيقى من زاوية التحريم أو الإباحة وحدهما، بل كانت تراها موضوعًا للبحث العلمي والتأمل الفلسفي. وهذه حقيقة كثيرًا ما تغيب عن وعينا المعاصر، لأن ما وصل إلينا من الجدل الفقهي كان أعلى صوتًا من التراث الفلسفي والعلمي.
ومن هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد البحث عن حكم الغناء؛ إذ يغدو السؤال: كيف فهمت الحضارة الإسلامية الموسيقى عندما كانت في أوج عطائها؟ والجواب يقودنا إلى أن تلك الحضارة لم تكن تتحدث بصوت واحد، بل بأصوات متعددة؛ صوت الفقيه، وصوت الفيلسوف، وصوت الطبيب، وصوت الأديب، وكان لكل منهم طريقته في النظر إلى الفن.
ولعل هذا ما يفسر اختلاف المواقف الفقهية نفسها. فقد ارتبط فقه الإمام مالك ببيئة المدينة المنورة، حيث كان الغناء حاضرًا في الحياة الاجتماعية، بينما ارتبط فقه الإمام أبي حنيفة ببيئة الكوفة التي اختلفت ظروفها الاجتماعية والثقافية. ولسنا هنا بصدد المفاضلة بين الإمامين، وإنما الإشارة إلى أن الاجتهاد الفقهي لم يكن منفصلًا عن واقعه، بل كان يتحاور معه، شأنه شأن سائر العلوم الإنسانية.
ومن هنا أيضًا، يبدو من الضروري ألا نجعل الفقه النافذة الوحيدة التي نطل منها على الفنون. فالفقه معنيٌّ بالسؤال عن الحلال والحرام، وهو سؤال مشروع في مجاله، لكن الفلسفة تسأل عن معنى الجمال، وعلم النفس يسأل عن أثر الفن في الإنسان، وعلم الاجتماع يبحث في وظيفته داخل الجماعة، بينما يدرس علم الأعصاب أثر الموسيقى في الدماغ والذاكرة والانفعال. وكل هذه الأسئلة لا تناقض الفقه، بل تكمله، لأن الإنسان أوسع من أن يفسره علم واحد.
auwaab@gmail.com
