طاهر عمر
لفهم أفكار هابرماس في الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية، لابد من النظر إليها من زاوية أن فكر هابرماس يرتكز على أفكار كانط وعقلانيته، إلا أن هابرماس استبدل الميتافيزيقا الكانطية باللغة، وكذلك أخذ الأخلاق الكانطية الصارمة ونقلها من عقل الفرد إلى الفضاء المشترك بين الذوات عبر اللغة كبديل للميتافيزيقا.
لهذا السبب يعتبر هابرماس كانطيًا بامتياز في دفاعه عن العقل، ويتضح ذلك في اختلافه مع فلاسفة ما بعد الحداثة، أي اختلافه مع كل من جاك دريدا وميشيل فوكو في هجومهما على عقل الأنوار، وكذلك هجومهما على الحداثة. وعليه يعتبر هابرماس امتدادًا ودفاعًا عن مشروع الحداثة وعقل الأنوار الكانطي.
بل وقف هابرماس مدافعًا عن عقل الأنوار عندما تعرض للهجوم من قبل فلاسفة ما بعد الحداثة، وخاصة في وصفه لكل من جاك دريدا وميشيل فوكو بأنهما محافظون جدد ويحاولان تقويض العقل، وهم بدورهم قد وصفوا فكر هابرماس في الفعل التواصلي بأنه وهمٌ مثالي.
وهنا وجب التوضيح أن في أخلاقيات المناقشة، أن اللغة عند هابرماس ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل تحمل في بنيتها نزوعًا طبيعيًا نحو التفاهم والاتفاق. وبالتالي تصبح الأخلاق إجرائية، وبالتالي تصبح القاعدة الأخلاقية هي التي يصادق عليها الجميع في وضعية كلام مثالية خالية من الهيمنة والإكراه.
وبالتالي يكون البعد الأخلاقي في الفعل التواصلي لهابرماس هو نقل فكرة الإجماع عبر الحوار من حقل فقه اللغة والاجتماع إلى حقل الفلسفة الأخلاقية والمعايير القانونية. وبالتالي يتحول مفهوم اللغة عند هابرماس من أنها تحمل في بنيتها هدفًا فطريًا، وهو الوصول إلى إجماع غير قسري وبلا إكراه، إلى معيار أخلاقي وسياسي.
الملاحظة التي تحتاج لتوضيح بالغ الأهمية أن فلسفة الفعل التواصلي لهابرماس تحتاج في التعامل معها وفهمها فهمًا عميقًا بأنها اعتنت بالبعد السياسي والأخلاقي في مجتمعات غربية قد حققت مجتمعًا ديمقراطيًا وليبراليًا وعقلانيًا، وقد وجدت مقاومة شرسة من فلاسفة ما بعد الحداثة، وخاصة فوكو ودريدا.
وبالتالي، التعامل مع أفكار الفعل التواصلي في مجتمعنا التقليدي السوداني يحتاج لتمحيص عميق للتحولات الهائلة في المفاهيم، لدرجة تبدو فيها أن أفكار الفعل التواصلي كأنها كتبت لمجتمع أصلًا قد حقق الديمقراطية ووطن العقلانية والأخلاق في المعادلات السلوكية لأفراده، كالمجتمع الغربي في ديمقراطيته الليبرالية.
وعليه تصبح أفكار الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية عند هابرماس كأنها بُعدًا رأسيًا لأفكار عمانويل كانط، في وقت ما زال مجتمعنا التقليدي السوداني لم يفهم أصلًا أفكار كانط بطولها وعرضها، دعك من أن يكون لها بُعدًا رأسيًا قد أثار فهمه سجالًا بين فلاسفة المجتمعات الغربية، كما السجال الذي دار بين هابرماس في دفاعه عن عقل الأنوار ودفاعه عن أفكار الحداثة، وكل من جاك دريدا وميشيل فوكو بسبب اعتراضهما على أفكار الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية، وهجومهما على عقل الأنوار وأفكار الحداثة.
الذي أود توضيحه أن أفكار هابرماس في الفعل التواصلي جاءت نتاج فكر ذي نزعة إنسانية تفسره معادلة الحرية والعدالة من منطلق أنه فعل إنساني بعيدًا عن الميتافيزيقا والفكر التأملي، أي فكر قد فك ارتباطه باللاهوت، كما نجده في أنثروبولوجيا عمانويل كانط، وقد أعمل القطيعة بين الأنثروبولوجيا واللاهوت، مع التأكيد أن الفرد الاجتماعي بالضرورة عقلاني وأخلاقي.
وعليه، ما أريد قوله في هذا المقال هو أن الحديث عن الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية في فلسفة هابرماس، وهي موجهة لمجتمع قد حقق الديمقراطية الليبرالية كالمجتمع الغربي، كأنها تقول لمجتمعنا السوداني التقليدي: إنك مفصول بعتبتين عن أفكار المجتمعات الحديثة.
العتبة الأولى أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن فهم فلسفة عمانويل كانط فيما يتعلق بأن الدين شأن فردي، ويظل هو أفق الرجاء للفرد في علاقته بربه وبلا وساطة لرجال الدين. وعليه يصبح الخروج من السياجات الدوغمائية هو الخطوة الأولى نحو اليقظة من السبات الدوغمائي العميق. وتصبح إمكانية تخليص النصوص من اللاهوت ممكنة. وبالتالي تخليص العقول من هيمنة النصوص أيضًا ممكنة، ومنها تبدأ مسيرة النزعة الإنسانية، ويصبح الدين في حدود مجرد العقل، كما وضحه عمانويل كانط في كتاب بهذا العنوان.
العتبة الثانية تبدأ بعد فهمنا لفلسفة كانط التي تفصل الدين عن الدولة، وتفصل اللاهوت عن الأنثروبولوجيا، وهذا ما حققته المجتمعات الغربية، وعجزنا نحن كمجتمعات تقليدية عن تحقيقه، وبالتالي تصبح القطيعة مع التراث الديني ليست محصنة بتاريخ الخوف، كما هو سائد وسط النخب السودانية التقليدية.
بالمناسبة، عدم تبديد ظلام تاريخ الخوف هو ما يجعل النخب السودانية في حالة الخوف المرضي من معنى القطيعة مع التراث الديني. وتاريخ الخوف لا يتبدد إلا بفهمنا لتاريخ الذهنيات. والخوف من معنى القطيعة مع التراث الديني وسط النخب السودانية هو القابلة التي يولد على يديها الفكر الذي يولد ميتًا، كفكر المؤالفة بين العلمانية والدين، وفكر المساومة بين أحزاب اليسار السوداني الرث وبين أحزاب اليمين السوداني الغائص في وحل الفكر الديني الذي يحمل ترقيع النخب السودانية وفكرهم التوفيقي التلفيقي من كل شاكلة ولون.
كما قلنا في صدر المقال، أن هابرماس كانطي من الدرجة الأولى، وتصدى لفكره فلاسفة ما بعد الحداثة، وخاصة ميشيل فوكو وجاك دريدا. وبالمناسبة، أغلب المثقفين التقليديين السودانيين أقرب لفكر فلاسفة ما بعد الحداثة وأبعد ما يكونون عن عقلانية كانط، وهذا ما يفسر اندثار مفهومين مهمين في السودان، وهما مفهوما الدولة الحديثة ومفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية، وهذا هو سر فشل النخب السودانية في تحقيق دولة حديثة وتحقيق ممارسة السلطة بشكل يكون ناتجًا من عقلانية الفرد الاجتماعي.
لذلك صدور كتاب هابرماس وإعادة الاعتبار لفكر عقل الأنوار وأفكار الحداثة في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم يعتبر الضربة القاضية لأفكار فلاسفة ما بعد الحداثة في هجومهم على عقل الأنوار. ولهذا السبب قلنا إن أفكار هابرماس في الفعل التواصلي والعقل التواصلي كأنها قد كتبت للمجتمعات الغربية التي قد حققت الديمقراطية الليبرالية، وفي نفس الوقت كأنه دعوة لنخب المجتمعات التقليدية، كحال النخب السودانية، دعوة لهم بأن يكونوا كانطيين أولًا، وبعدها يمكنهم فهم أفكار هابرماس في الفعل التواصلي.
بالمناسبة، حضور المؤرخين التقليديين السودانيين لحوار الوثبة أيام حكم البشير، وتحلقهم الآن حول الجيش الكيزاني في حربه العبثية ضد صنيعته الدعم السريع، سببه أن أغلب المؤرخين التقليديين السودانيين أقرب لفكر ما بعد الحداثة. مثلًا نجد أن ميشيل فوكو كان أيام الخمينية وقد اعتبرها ثورة، وزار إيران، وعندما عاد أدرك أنه وقع في خطأ لا يُغتفر، وبعدها ندم الندم الذي لم يقدر عليه أحد. وعلى تجربة ميشيل فوكو قِس تجربة الدكتور عبد الله علي إبراهيم واعتقاده أن الجيش يمثل الدولة، وهذا ما قصدناه باندثار مفهوم الدولة في السودان كمفهوم حديث بسبب قرب فكر النخب السودانية من فكر فلاسفة ما بعد الحداثة.
من هنا تأتي توصيتنا بأن طرح فكر هابرماس في الفعل التواصلي في ساحة مثل ساحة الفكر السودانية التقليدية يحتاج لتوخي الحذر، لأن الفضاء العام الذي يتشاركه العامة في المجتمعات التي حققت الديمقراطية الليبرالية، كما تحدث عنه هابرماس، هو ليس الفضاء العام الذي يسيطر عليه الكوز السوداني بقبحه المعلوم، وليس الفضاء الذي ما زالت أغلب نخبه لم تصل إلى أفكار كانط، كما هو حال النخب السودانية التقليدية التي ما زالت في حيز أحزاب اللجوء إلى الغيب، أو كما هم في حزب إمام الأنصار أو الختم أو أتباع المرشد الكيزاني.
لذلك الحديث عن الفعل التواصلي في ساحة مثل الساحة السودانية التقليدية وفكرها التقليدي ينبغي أن يسبقه الحديث عن: هل بلغ المجتمع السوداني نصابه؟ وقطعًا الإجابة لا، لأن المجتمع السوداني ما زال بعيدًا كل البعد عن عقل كانط. والسبب الآخر لتوخي الحذر من طرح الفعل التواصلي لهابرماس في ساحة تقليدية كساحة الفكر السودانية أن كثيرًا من نخب الكيزان بغبائهم المعهود يظنون أنهم بطرحهم الديني المتخلف للشريعة والإسلام هو الحل، يعتقدون أن هابرماس يتيح لهم المجال أو الفضاء العام، وهيهات.
لذلك قلنا إن هابرماس يقصد بالفعل التواصلي مجتمعات قد حققت الديمقراطية الليبرالية، كما السائد في المجتمعات الغربية، وقد فصلت الدين عن الدولة، وأصبحت العلاقة بين الدولة والفرد علاقة مباشرة، وبالتالي أصبح الحديث عن المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد ممكنًا. ولك أن تتخيل التحول الكبير في المفاهيم الذي عم أرجاء أوروبا منذ أن كتب توكفيل في كتابه «الديمقراطية الأمريكية» ونقده للكاثوليك والكاثوليكية، وأنهم لا يستطيعون تحقيق ديمقراطية بالكاثوليكية.
بعده، أي بعد نقد توكفيل للكاثوليك والكاثوليكية بثلاثة عقود، كانت محاولة البابا بيوس التاسع عام 1870 هي الأخيرة لتعزيز السلطة البابوية، وإعلانه عقيدة عصمة البابا، أي أن البابا لا يخطئ عندما يعلن حكمًا نهائيًا يتعلق بالإيمان والأخلاق. وكان هدفه مواجهة الأفكار التي كانت تجتاح أوروبا في ذلك الزمن، وهي الليبرالية والديمقراطية والعلمانية وقيم الجمهورية. وهنا يمكننا أن نسأل القارئ عما يفعله الكيزان وعنفهم، وهم يعتقدون أنه يمهد الطريق لعودتهم للسلطة: ألم يكن يشبه عنف عصمة البابا بيوس التاسع؟
لك أن تتصور أن البابا بيوس التاسع رفض الفكرة القائلة بأن جميع الأديان متساوية في القيمة والفضل. وهاجم البابا بيوس التاسع الفلسفة الحديثة في رفعها شأن العقل البشري على حساب الوحي والتعاليم الكنسية، وعارض منح حقوق متساوية للأديان الأخرى في الدولة الكاثوليكية، ورأى في ذلك إضعافًا للحقيقة الدينية.
ورأى البابا بيوس التاسع أن حرية الرأي تؤدي إلى الضلال، ورفض المبدأ الديمقراطي القائل بأن الشعب هو مصدر السلطات، مؤكدًا أن السلطة الشرعية تأتي من الله. ورفض تشريع الزواج المدني أو القوانين التي تبيح الطلاق، معتبرًا ذلك تعديًا على أسرار الكنيسة المقدسة.
وأخيرًا، نختم مقالنا بالعودة للفعل التواصلي لهابرماس، وهو، بعد قرن من الزمان بعد البابا بيوس، وقد تغيرت الفاتيكان وأصدرت وثيقة الفاتيكان 2، وقد كانت كأنها لم تسمع بأفكار البابا بيوس التاسع. ونضيف أنه سيأتي يوم، وسيكون هناك تحول ديمقراطي وفصل للدين عن الدولة، ويكون كل ذلك وكأن السودان لم يمر على حكمه الكيزان، وسيزول فكر الكيزان كما زال فكر البابا بيوس التاسع وفكرة عصمة البابا.
taheromer86@yahoo.com
