عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
تعليقًا على مقال «قرار التصنيف الأمريكي ووهم الخلاص»، تلقيت رسالة في الخاص تقول: “ياخي ليه دايمًا متشائم وبتحبط الناس، وفي مقالات كتيرة بتقول القرار الأمريكي نهاية الكيزان”. لذلك أوضح فكرتي بإيجاز.
في السياق الذي يستهدفه المقال المذكور، علينا النظر إلى هذا الموضوع بعيدًا عن التفاؤل والتشاؤم؛ لأن كليهما قد يقود لنتيجة واحدة. فالتفاؤل المفرط قد يؤدي إلى الركون إلى الخارج والحلول الجاهزة، بينما يدفع التشاؤم إلى الإحباط والانكفاء، وفي الحالتين يتراجع الإحساس بالمسؤولية الوطنية.
لا خلاف في أن السياسة الأمريكية الخارجية، كغيرها من الدول، تحكمها المصلحة الوطنية؛ وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان موجودة في الخطاب الأمريكي، لكنها ليست بالضرورة العامل الحاسم في صنع القرار إذ تُستخدم أحيانًا كأداة ضغط، ويُتغاضى عنها إذا تعارضت مع الأمن القومي والاستقرار والمصالح الاستراتيجية.
في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، بل مصالح دائمة. قد يُصنَّف الفاعل خصمًا في مرحلة، ثم يتم التواصل معه متى ما تغيّرت المعادلات. فلا يوجد ما يمنع أن تتعامل واشنطن مع جهة مصنفة كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO)، فقانون التصنيف نفسه يتيح مراجعة القرار إذا تبين خطؤه أو إذا غيّرت الجهة سلوكها بما يتوافق مع المصالح الأمريكية.
ولفهم ذلك عمليًا: رغم تصنيف طالبان وحماس كمنظمات إرهابية، تتفاوض معهما الولايات المتحدة. وقد وقّعت اتفاق الدوحة مع طالبان. وكذلك، منذ تصنيف الحوثيين كـ(FTO) في يناير 2025، لم يتغير ميزان القوى ميدانيًا، ولا تزال قدراتهم قائمة مع استمرار قنوات الحوار، بما فيها مع واشنطن.
والتجربة السودانية نفسها تؤكد ذلك؛ فقد صنفت أمريكا السودان دولةً راعيةً للإرهاب إبان حكم الاسلاميين وفرضت عليه عقوبات، ورغم ذلك نشأ تعاون أمني واستخباراتي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كما لعبت أمريكا دورًا في التوصل إلى اتفاقية السلام الشامل.
وبعد الإطاحة بعمر البشير، ضيّقت واشنطن الخناق على الإسلاميين، وأكدت على استبعاد العناصر المتطرفة من أي ترتيبات سياسية انتقالية، ولا سيما تلك المعيقة للاستقرار أو المرتبطة بالإرهاب، مع عدم الإقصاء المطلق، بل ترك الباب مفتوحًا أمام من يلتزم بالعمل السلمي ونبذ العنف.
وهذا الفهم وارد في خارطة الرباعية وقرار التصنيف، إذ يُبقي باب التواصل مفتوحًا عبر إتاحة التماس الإلغاء، حتى للمُدرجين في قوائم FTO، متى ما أثبتوا تغيّر سلوكهم، بما يجعل إلغاء التصنيف ممكنًا. وقد قال وزير الخارجية الأمريكي تعليقًا على القرار: «الهدف هو تغيير السلوك وليس العقاب».
وبالرغم من كل ذلك، تعيش قطاعات واسعة من الرأي العام المعارض حالة من الانتشاء منذ صدور قرار التصنيف وتختزل السياسة في تفاعلات عابرة على شاشات الهواتف، لتغرق في فرحة مفهومة من الناحية النفسية، لكنها تظل مؤقتة وبعيدة عن الواقع.
في المقابل، يمارس الإسلاميون صمتًا استراتيجيًا؛ يبدون مستكينين للعاصفة، فيما هم أعمق تغلغلًا داخل الدولة. يراقبون كل حركة، ويتلمّسون كل منفذ قانوني أو سياسي أمريكي بدقة، يعرفون متى يبيعون ومتى يشترون وكيف يساومون. وتكمن المفارقة أن فرحنا عابر، بينما صمتهم يمنحهم مساحة لإعادة التموضع، ما دمنا على هذا الحال.
هذا المقال وما سبقه ليس مجرد استنكار، بل تذكير بأهمية استثمار الظرف؛ فالقرار يفتح نافذة حقيقية لإنقاذ الوطن، وذلك بتوحّد القوى المدنية حول مشروع وطني جامع، يتفادى سلبيات التجربة السابقة، ويستهدف تحقيق السلام المستدام، عبر تصور عملي يستعيد الدولة ومؤسساتها وأموالها، ويُنهي التمكين، ويوازن بين حفظ الاستقرار وعدم الإفلات من العقاب.
مع إدراك أن الولايات المتحدة لن تتفاعل مع أي مشروع لا يفضي إلى حكومة قوية قادرة على تحقيق الاستقرار وخدمة مصالحها الاستراتيجية في الإقليم؛ وهو ما يجعل الرهان الحقيقي على ما ننجزه نحن في الداخل، لا على ما ننتظره من الخارج.
“ما حكّ جلدك مثل ظفرك، فتولَّ أنت جميع أمرك.”
ملحوظة : تم تصحيح خطأ في الفقرة قبل الأخيرة.. يستعيد الدولة ومؤسساتها وأموالها. وليس يعيد بناء الدولة
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم