osmanyousif1@icloud.com
التعليم والتعلُّم… ما الذي خسرناه؟
يبدو جلياً أنه قد كتب علينا ان لا نتوقف عن الكتابة عن أزمة التعليم والتعلُّم في السودان، لأن هذه القضية لم تعد مجرد ملف تربوي، بل أصبحت مسألة مصير تمس حاضر البلاد ومستقبل أجيالها. فنحن لا نكتب عن مدارس مغلقة فقط، ولا عن مناهج متعثرة فحسب، بل عن عقول مهددة، ووعي يتآكل، وفرص تُهدر في زمن لا يحتمل المزيد من الخسائر.
نحن لا نحتاج ان كرر بان الحرب الدائرة هناك قد قصمت ظهر كل شيء تقريبًا: الاقتصاد، والاستقرار، والبنية الاجتماعية، لكنها كانت أشد قسوة على التعليم، لأنه المجال الذي يحدد شكل المستقبل، ويصوغ وعي الإنسان، ويرسم ملامح المجتمع القادم. وغالبًا ما لا تشتعل الحروب والخراب إلا في بيئات أُضعف فيها العقل واسكت الضمير، وغاب عنها التفكير النقدي، واستُبدل فيها الحوار بالعنف والقلم بالبندقية.
ولنفترض – جدلًا – أن هذه الحرب كانت قدرًا كُتب على السودان، وأنها واقع مفروض لا مهرب منه. لكن هل يبرّر هذا أن نتغاضى عن أهم سلاح يمكنه أن يمنع تكرار هذه المآسي مستقبلًا؟
هل يُعقل أن نستسلم للألم دون أن نحمي عقول أبنائنا من أن تعيد إنتاجه؟
وهنا تكمن القضية وإنها التعليم، يا سادتي. وما نقصده هنا ليس التعليم بوصفه فصولًا دراسية وشهادات، بل بوصفه مشروعًا وطنيًا لصناعة الإنسان. فبالتعليم الممنهج، الواعي، والعادل، تستطيع الأمة أن تفهم نفسها، وأن تحلل أزماتها، وأن تواجه تحدياتها بعقل لا بغريزة، وببصيرة لا بانفعال. التعليم يسمو بالعقول، ويهذّب النفوس، ويحرّر الإنسان من التعصّب الأعمى، وينقّي القلوب من الأحقاد التي تُغذّي الصراعات وتُطيل أمد الكوارث.
لكن قبل أن نمضي أبعد من ذلك، لا بد أن نتوقف عند سؤال جوهري يشكّل مدخلًا لفهم الأزمة من جذورها:
ما الفرق بين التعليم والتعلُّم؟
التعليم هو الإطار المؤسسي والمنهجي الذي يقدّم المعرفة: المدارس، الجامعات، المناهج، السياسات التربوية، والمعلمون. إنه النظام الذي يُفترض أن ينقل العلم، وينظّم عملية اكتسابه، ويوفّر بيئة ملائمة للنمو الفكري.
أما التعلُّم، فهو التجربة الداخلية العميقة التي يعيشها الفرد؛ هو الفهم الحقيقي، والقدرة على التفكير، والمهارة في التحليل، والاستعداد الدائم للتطور.
التعلُّم ليس حفظًا للمعلومات، بل قدرة على استخدامها. ليس تكديسًا للمعرفة، بل وعيٌ بها، ونقدٌ لها، وتوظيفٌ لها في الواقع.
قد يتلقى الإنسان تعليمًا دون أن يتعلّم حقًا.
وقد يحفظ المناهج دون أن يكتسب وعيًا.
وقد يحصل على شهادات دون أن يمتلك عقلًا ناقدًا أو رؤية مستقلة.
وهنا تكمن خطورة ما نعيشه اليوم:
تعليم هش، ومؤسسات متعثرة، وتعلُّم سطحي، فتنشأ أجيال تحمل أوراقًا رسمية، لكنها تفتقر إلى الأدوات الفكرية التي تمكّنها من فهم العالم، أو تغييره، أو حتى الدفاع عن نفسها أمام التضليل والاستغلال.
لقد نشأنا – في الماضي القريب – في مجتمع كان أكثر تعافيًا من الأحقاد، وأكثر تماسُكًا في نسيجه الاجتماعي. كانت المدرسة تمثّل قيمة أخلاقية، وكان المعلّم رمزًا للهيبة والاحترام، وكانت المعرفة طريقًا للترقي الاجتماعي والإنساني، لا مجرد وسيلة للحصول على وظيفة. عليه، لم يكن التعليم آنذاك مجرد مادة دراسية، بل كان مشروعًا لتشكيل الشخصية، وبناء الانتماء، وصناعة المواطن القادر على تحمّل المسؤولية.
أما اليوم، فإننا نشهد تآكل هذه القيم، وانهيار البنية التعليمية، وضياع فرص التعلُّم الحقيقي لأجيال نشأت في ظل الحرب، والنزوح، والخوف، والفقر، وعدم الاستقرار.
أجيال كبرت في واقع مرتبك، بلا مدارس منتظمة، أو بمناهج مبتورة، أو في بيئات يغيب فيها الكتاب، ويهيمن فيها القلق، وتُختصر فيها الأحلام في النجاة فقط.
إن إهدار التعليم في السودان لا يعني فقط تعطيل الحصص الدراسية أو إغلاق المدارس، بل يعني نزيفًا طويلًا للعقل الوطني، وخسارة لطاقات بشرية كان يمكن أن تصنع الفرق، وتعيد بناء الوطن على أسس أكثر وعيًا وعدلًا.
وحين يُهدر التعليم، فإن المجتمع يدفع الثمن مضاعفًا:
يتراجع التفكير النقدي، وتضعف قيم المواطنة، ويصبح الشباب أكثر عرضة للاستغلال السياسي والفكري، وتتحول الخلافات من قضايا قابلة للحوار إلى نزاعات تُحسم بالقوة.
ولهذا، فإن الحديث عن التعليم اليوم ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، ومسؤولية أخلاقية، وخطوة أولى لفهم ما خسرناه… وما لا يزال ممكنًا إنقاذه.
وفي الحلقة القادمة، سنتناول:
كيف أثّرت الحرب في وعي أجيال السودان؟ وما الذي خسرناه على مستوى العقل والهوية؟
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم