أواب عزام البوشي
في تطور يعكس عمق الأزمة داخل معسكر السلطة الحاكمة في بورسودان، أعلنت الكتلة الديمقراطية، أبرز الحلفاء السياسيين للفريق أول عبد الفتاح البرهان، رفضها القاطع لحواره المطروح، مؤكدة أنها “لن تعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار”. هذا الموقف، الذي صدر عن لسان حليف كان يُعتبر سنداً سياسياً رئيسياً للبرهان ، يكشف عن تصدع خطير في البنية السياسية لمعسكر بورسودان، ويؤشر إلى استمرار انهياره المتسارع.
حليف لا يبارك.. لماذا رفضت الكتلة؟
لم يكن رفض الكتلة الديمقراطية مجرد اعتراض شكلي، بل جاء في بيان سياسي مفصّل حمل رسائل قاسية للبرهان. فبينما كان الحوار يُعتبر فرصة للبرهان لكسب شرعية سياسية، رأت الكتلة فيه مجرد “صفقة لإعادة توزيع السلطة” و”بوابة لإعادة إنتاج الماضي”، واشترطت ملإنجاح أي حوار شروطاً جوهرية لا يمكن للبرهان تلبيتها في ظل استمرار الحرب، أبرزها: الاعتراف بالواقع الجغرافي الجديد، وإجراء تعداد سكاني حديث، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية، وهي مطالب تعني ضمنياً تفكيك أسس النظام القائم حالياً.
وهذا التناقض بين “الحليف” و”الرافض” يعكس حالة من فقدان الثقة بين الجناح العسكري في بورسودان وحلفائه المدنيين، الذين باتوا يدركون أن أي حوار تحت مظلة البرهان لن يكون سوى أداة لتمديد الوضع القائم، لا لتغييره.
انهيار المعسكر السياسي.. من الداخل إلى الخارج
لم يأت رفض الكتلة الديمقراطية في فراغ، بل هو حلقة جديدة في سلسلة انهيارات سياسية طالت معسكر بورسودان، فالحركات المسلحة الموالية للجيش تتراجع تدريجياً عن ولائها المطلق، والكثير من الكيانات السياسية التي كانت تغطي على العملية العسكرية بدأت تتبنى مواقف ناقدة. ومع رفض الكتلة، التي كانت تمثل الغطاء السياسي الأبرز لحكومة بورسودان، يصبح المعسكر في عزلة سياسية شبه كاملة، حيث لا يتبقى له سوى القوة العسكرية الصلبة التي أثبتت الأيام فشلها في حسم الصراع على الأرض، ناهيك عن تقديم رؤية سياسية مقنعة.
الانهيار السياسي هنا لا يعني فقط فقدان الأصوات الداعمة، بل يعني فقدان أي مشروع تسوية مقبول داخلياً. فإذا كان الحليف الرئيسي يرفض الحوار، فأي حوار سينجح؟ وإذا كان المعسكر عاجزاً عن توحيد صفه في بورسودان، فكيف سيقنع أطراف الحرب الأخرى بالجلوس معه؟
تداعيات الرفض على المشهد العام
يعني رفض الكتلة الديمقراطية لحوار البرهان تعميق الشرخ في معسكر الجيش، وتوجيه ضربة قوية لمحاولاته المستميتة لكسب شرعية دولية ومحلية. كما يمنح هذا الرفض الغطاء للقوى الدولية والإقليمية التي كانت تتحفظ على المبادرة، لتؤكد مرة أخرى أن الحل في السودان لا يمكن أن يأتي من طرف واحد ولا من حوارات تُفرض بالقوة.
كما أن انهيار المعسكر السياسي للبرهان يفسح المجال أمام قوى أخرى، مثل تحالف “صمود” وقوى “إعلان نيروبي”، لتقديم نفسها كبديل سياسي أكثر قدرة على قيادة المرحلة الانتقالية، مما يضع البرهان وحكومته في موقف دفاعي متزايد، ويؤكد أن المعركة باتت – قبل أن تكون عسكرية – معركة وجود سياسي يخسرها يوماً بعد يوم.
في المشهد السوداني المعقد، ثبت أن الحليف القريب قد يكون أكثر خطورة من العدو البعيد. رفض الكتلة الديمقراطية لحوار البرهان ليس مجرد خلاف عارض، بل هو إعلان واضح باستمرار انهيار المعسكر السياسي الداعم للبرهان في بورسودان. فمن دون قاعدة سياسية متماسكة، سيظل البرهان يخوض حرباً بلا مشروع، وحواراً بلا شريك، ومستقبلاً بلا رؤية، مما يضع البلاد أمام مزيد من الجمود والانزلاق نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً.
