في ظل التداعي الوجودي الذي يواجهه السودان، وما أفرزته الحرب من انهيار واسع في بنية الدولة وتآكل متسارع في المجال السياسي، يبرز تحالف “قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية” بوصفه أحد أكثر التحالفات إثارة للجدل والانقسام ونموذجاً يجسد التباعد بين الحمولة السياسية للمسمى والمنطق الذي يحكم الممارسة الفعلية .. إذ يتحول الفعل السياسي داخله من أداة يفترض أن تنحاز إلى التغيير والتحول الديمقراطي، إلى آلية لإعادة إنتاج التموضع الوظيفي تحت مظلة الجنرالات.
وبينما يجهد التحالف في تسويق نفسه بوصفه “ظهيراً سياسياً واستراتيجياً” لمؤسسات الدولة، فإن قراءة أعمق لبنية تحالفاته ومواقفه تكشف عن وظيفة سياسية تتجاوز حدود المساندة إلى توفير غطاء مدني للسلطة العسكرية بما يجعله أشبه بمختبر لإنتاج شرعية سياسية زائفة تعيد تقديم استمرار المؤسسة العسكرية في مركز السلطة بوصفه أمراً مشروعاً، وفي هذه المساحة تحديداً تتلاقى طموحات نخب راكمت نفوذها من ريع الأزمات وتقلبات التحالفات مع حاجة المؤسسة العسكرية إلى واجهة مدنية تضفي على خياراتها قدراً من المشروعية وتوفر لها مظلة سياسية لتبرير تلك الخيارات وإعادة تسويق الارتداد عن مسار الانتقال الديمقراطي بوصفه استجابة لمقتضيات المرحلة، وعند هذه النقطة لا يعود التحالف مجرد اصطفاف سياسي فرضته تعقيدات المرحلة بقدر ما يصبح تعبيراً عن معادلة مصلحية تعيد ترتيب الأولويات لمصلحة المال والسلطة .. فتضع “غنائم الحكم” في كفة، وتطلعات شعب أنهكته الحرب وينشد دولة مدنية ديمقراطية في الكفة الأخرى، من دون أن تحظى الأخيرة بالوزن الذي يفترض أن يشكل جوهر أي مشروع سياسي يدعي الانحياز إلى التغيير وقضايا الوطن.
ولم تكن “الكتلة الديمقراطية” نتاج مخاض ديمقراطي حقيقي بقدر ما أفرزتها ديناميكيات التصدع التكتيكي وإعادة التموضع داخل القوى التي تصدرت المشهد السياسي بعد الثورة، وبدأت إرهاصات هذا التفكك مع ظهور ما عرف بـ”ميثاق التوافق الوطني”، قبل أن تتبلور لاحقاً في اصطفاف جمع حركات مسلحة وقوى سياسية وتقليدية وجدت في الانحياز إلى جانب المؤسسة العسكرية مدخلاً لإعادة ترتيب مواقعها وتعزيز حضورها في معادلة المال والسلطة، وشكل ما عرف بـ”اعتصام الموز” الذي حظي بتمويل ورعاية كاملة من المكون العسكري وواجهات النظام البائد، أمام القصر الجمهوري في أكتوبر 2021 محطة مفصلية كشفت بوضوح طبيعة هذا الاصطفاف واتجاهاته السياسية، فقد تحول الاعتصام إلى منصة سياسية للمطالبة بحل حكومة الفترة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، في توقيت كانت فيه أزمة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري قد بلغت مستويات غير مسبوقة وتصاعدت الضغوط السياسية على المكون المدني، بينما كانت البلاد تتجه سريعاً نحو لحظة الخامس والعشرين من أكتوبر.
ولم يكن ذلك الحراك في سياقه السياسي ونتائجه منفصلاً عن المسار الذي انتهى بانقلاب أكتوبر 2021 .. إذ أسهم في إضعاف الحاضنة المدنية للانتقال وتهيئة المجال السياسي لخطاب يطعن في شرعية الحكومة القائمة ويدفع باتجاه إعادة تشكيل السلطة خارج المعادلة التي أفرزتها الثورة، ولم تكن أهمية ذلك الاعتصام في حجمه أو قدرته على إنتاج بديل سياسي متماسك وإنما في الوظيفة التي أداها داخل الصراع على السلطة من خلال توفير مشهد مدني مضاد يمكن الاستناد إليه للقول إن الشارع لم يعد موحداً خلف الحكومة المدنية وإن المطالبة بتغييرها لم تعد حكراً على المؤسسة العسكرية أو القوى المناهضة للانتقال، وهنا تحديداً تتضح إحدى أهم الوظائف السياسية للاصطفاف الذي قادته “الكتلة الديمقراطية” .. إذ لم يكن المطلوب منه أن يشكل بديلاً مدنياً مكتمل المشروع بقدر ما كان وجوده مفيداً في تفكيك مركز الثقل المدني وإضعاف قوى الثورة وإعادة تعريف الصراع باعتباره خلافاً بين قوى مدنية متنافسة بدلاً من كونه صراعاً حول موقع المؤسسة العسكرية وحدود تدخلها في السلطة، وبذلك أدت الكتلة الديمقراطية دوراً سياسياً أسهم في إضعاف الصف المدني ومنح انقلاب المؤسسة العسكرية مسحة من “المدنية الشكلية”، بما عمق الانقسام السياسي وأعاد ترتيب موازين القوة لمصلحة المكون العسكري على حساب مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
ولعل أحد أكثر التحولات دلالة يتجلى في مسار الحركات المسلحة التي وصلت إلى الخرطوم محمولة على شعارات إنهاء التهميش وتحقيق العدالة وإعادة توزيع السلطة والثروة، كان ينتظر منها أن تصبح رافعة للتحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية، وأن تجعل قضايا المجتمعات التي دفعت أثمان الحروب والنزوح والتهميش في صدارة مشروعها السياسي، غير أن قيادات منها سرعان ما انخرطت في معادلات المحاصصة وإدارة النفوذ داخل مركز السلطة مقدمةً الحفاظ على مواقعها ومكتسباتها السياسية والمالية الشخصية على بناء مشروع سياسي يعيد قضايا النازحين وضحايا الحروب وسكان مناطق الهامش إلى مركز المعادلة الوطنية، وهذا التحول لا يتعلق فقط بتبدل التحالفات وإنما يمس جوهر المشروعية السياسية التي استندت إليها تلك الحركات تاريخياً .. فحين تتحول قضية الهامش من مشروع لتغيير بنية الدولة إلى ورقة تفاوض على المواقع والمال، تصبح المشاركة في السلطة غاية بدلاً من أن تكون وسيلة لإعادة هيكلتها، ويتراجع خطاب العدالة أمام ضرورات البقاء داخل معادلة الحكم، وهو ما يضع جوهر تجربتها السياسية أمام اختبار حقيقي ويكشف عن اختلال عميق في سلم الأولويات، تصبح معه مواقع القيادات ومكتسباتها في السلطة أكثر حضوراً من القضايا التي حملت هذه الحركات السلاح باسمها، ومن مشروع إعادة بناء الدولة التي أنتجت التهميش أصلاً.
وقد أتاح هذا الاصطفاف للقوى المناهضة للثورة مساحة أوسع للالتفاف على أهداف التغيير والتحول الديمقراطي وإعادة إنتاج نفوذها تحت يافطات من قبيل “حماية الدولة” و”تصحيح المسار”، وهكذا لم تعد المسألة مجرد خلاف سياسي بين مكونات الثورة حول إدارة المرحلة الانتقالية، وإنما تحولت تدريجياً إلى عملية لإعادة تشكيل المجال السياسي نفسه بما أتاح لقوى النظام البائد والمجموعات المرتبطة به إلى جانب القوى التي ارتبطت مصالحها ببقاء المؤسسة العسكرية في مركز السلطة، العودة إلى المشهد السياسي من بوابات جديدة.
وتتجلى أزمة “الكتلة الديمقراطية” بصورة أوضح في طبيعة تركيبتها السياسية، فهي تجمع تحت مظلتها أطرافاً شديدة التباين في الخلفيات والمشروعات والمصالح .. حركات مسلحة في مقدمتها حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وقوى اتحادية وتقليدية من بينها الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة جعفر الميرغني، إلى جانب قوى النظام البائد ممثلةً في المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وقوى ومجموعات أدت أدواراً كواجهات سياسية له واتخذ بعضها مواقف مناهضة لمسار الثورة والانتقال المدني، فضلاً عن مجموعات محدودة الحضور والتأثير وجدت في الانضواء تحت مظلة هذا الاصطفاف فرصة لاكتساب موقع داخل معادلة السلطة يتجاوز وزنها الفعلي في المجال السياسي.
ولا تكمن مشكلة هذه التركيبة في تعدد مكوناتها بحد ذاته، فالتعدد سمة طبيعية لأي تحالف سياسي واسع وإنما في غياب المشروع السياسي الجامع القادر على تفسير اجتماع هذه المتناقضات خارج نطاق الموقف من السلطة وموازينها، فما الذي يجمع حركة حملت السلاح تاريخياً باسم قضايا الهامش بقوى ارتبطت ببنية المركز التقليدي؟ وما الذي يجمع قوى يفترض أنها خرجت من رحم الثورة بأخرى واجهت مشروعها أو عملت على تقويض انتقالها؟، والإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدو واضحة في البرامج والشعارات بقدر ما تظهر في طبيعة الاصطفاف نفسه، حيث يصبح الموقع من السلطة هو الخيط الأكثر قدرة على تفسير اجتماع أطراف يصعب العثور بينها على مشروع فكري أو سياسي متماسك، ومن هنا فإن وصف الكتلة بأنها تحالف تحكمه البراغماتية المفرطة لا يستند فقط إلى خصومة سياسية معها وإنما إلى مسار تشكلها وطبيعة مكوناتها وتحولاتها ومواقفها في اللحظات المفصلية، فقد بدا التحالف في محطات عديدة أكثر قدرة على الاتفاق حول موقعه داخل معادلة السلطة من قدرته على إنتاج تصور متماسك للدولة المدنية الديمقراطية التي يفترض أن يحملها اسمه.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم الانتقادات التي لاحقت “الكتلة الديمقراطية” ودفعت خصومها إلى وصفها بـ”واجهة الفلول” فبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الوصف فإن السؤال السياسي الأهم لا يتعلق بالتسمية ذاتها وإنما بالوظيفة التي أدتها الكتلة في إعادة فتح المجال أمام قوى الثورة المضادة، وتوفير بيئة سياسية استطاعت من خلالها إعادة التموضع داخل المشهد العام مستفيدة من الانقسام المدني ومن حاجة المؤسسة العسكرية المستمرة إلى حلفاء وواجهات تمنح خياراتها السياسية غطاءً يتجاوز المؤسسة العسكرية نفسها، وبذلك، فإن أزمة “الكتلة الديمقراطية” لا تبدأ من موقف سياسي عابر ولا تنتهي عند تحالف ظرفي مع المؤسسة العسكرية، بل تكمن في المسار الذي انتقلت عبره من مكونات كان يفترض أن تكون جزءاً من عملية الانتقال الديمقراطي إلى اصطفاف أصبح بقاؤه السياسي مرتبطاً بدرجات متفاوتة باستمرار اختلال ميزان القوة بين المدنيين والعسكريين، ومن هنا يتجلى التناقض الجوهري .. تحالف يحمل “الديمقراطية” في اسمه بينما يكشف مسار تشكله ومواقفه في المحطات السياسية المفصلية عن ابتعاد عميق عن مقتضيات المشروع الديمقراطي نفسه.
نواصل،،،
محمد عبدالله إبراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.com
