بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
ربما يقف هذا الزول شاهدًا نابضًا يجسد إحدى المقولات الساخرة المتداولة (لا أخلاق في السياسة). مع أن جدلية الأخلاق والسياسة متوغلة في الفلسفة منذ أرسطو وأفلاطون وسقراط . الأخلاق هي منظومة السلوكيات الرفيعة المتفق عليها في الرسالات السماوية والقيم المجتمعية كالصدق ، الرحمة ، التسامح ، الأمانة و العدل . أما السياسة فهي منظومة إدارة شؤون البشر ومصالحهم . لذلك من الصعب – إن لم يكن مستحيلا – الفصل بين الاخلاق والسياسة في نسيج السياسي الوطني في ظل الدولة الراشدة. هما كما الحب والصداقة في التماهي . فالسياسة هي العلاقة مع الآخر كما قال سارتر . الأكذوبة كما يقول جون ميرشايمر استاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو (عمل زائف يُصمم لخداع الشعب.كما تشتمل على قصص وهمية). عندما تنحسر الأخلاق عن السياسة يغلب الكذب،الاستبداد والظلم فيهرب أصحاب الخُلق القويمة عن المشهد السياسي . هذا فراغٌ يراكم نتائج كارثية مدمرة للدولة و المجتمع . وهو فراغ يستوجب النظر إلى السياسة فيه واجبًا أخلاقيًا وطنيًا . أو على الأقل ضربًا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
من وصايا الرسول الكريم( إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور والفجورُ يهدي إلى النار) . الفجور خصالٌ جامعة لكل مخالف للشرع والمرؤة . فالكذب معضلة أخلاقية و صنفٌ من الخداع يستهدف إلحاق الأذى بالآخر .فما بالك إذا كان الآخر شعبًا . الكذبُ ممارسة مزدوجة الوقع إذ تؤذي مصدره فيفقد صدقيته ثم احترامه . مير شايمر يبرر في كتابه (لماذا يكذب القادة) الكذب في العلاقات الدولية في سياق غياب سلطة مركزية عليا تحكم فوضى العلاقات بين الدول . طوني بلير -مثلا – اعترف بممارسة الكذب كثيرًا على الصعيد الدولي (من أجل خدمة بلدي ) لكن مير شايمر يشير إلى ممارسة الساسة الكذب على شعوبهم أكثر! بل يمثل الكذب لدى عدد من القيادات أبرز فصول كاتلوغ إدارتهم السياسية . السودانيون ألفوا في العقود الأخيرة هذا الفصيل من الساسة و النمط من السياسة.فالكذب الصراح والأكاذيب البلقاء أمست ممارسات يومية على المنصات الرسمية ضمن الفلكلور السياسي المثير للدهشة والحيرة والقلق . بما أنه لا يمكن الفصل بين الاستقامة الاخلاقية والاستقامة الوطنية سقط السودان في محنة بلا قرار.فالكذب حالياً ليس على جبهة البقاء على السلطة بل في معارك هزيمة الحرب أمام السلام.
فعندما يتساءل القأئد الأعلى للجيش مستنكرًا القول بوجود (أخوان)في صفوف القوات فإن المسألة تتجاوز الكذب إلى الغباء أو الاستغباء . هذه ممارسة لا أخلاقية تؤذي مصدرها مثل سامعها .فمن المؤكد أن تلك الأكذوبة أثارت استهزاء الضباط الحضور المستمعين للخطاب !!! تلك لحظة تقدح فكر كل المتابعين للتأكد عمّا اذا كان الحديث ضربًا من الكذب أم الافتراء أو البجاحة . أياً جاء فهو لا يصدر عن قائد في حضور ضباط كبار يتباهون بانتمائهم الأيديولوجي أكثر من ولائهم الوطني . كل افراد الشعب يتمتعون بمهارات الفرز بين الفضيلة والرذيلة ، بين الخطأ والخطيئة، بين العقل والجهل مثل ادراكهم الفارق بين الكذب والصدق .حديث القائد في ضباطه العظام يتخطى منطق بل خيال كل المفكرين والفلاسفة مبرري ممارسة الكذب بالنفع العام من أمثال ميكافيللي وشتراوس . لابرهام لنكولن مقولة أكثر صدقًا ونفعًا (لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت)
الخطاب الشائه المسرف في الإشانة نابع من ذهنية مشوشة منكفئة داخل أنانيتها الضيقة . مع ذلك يجاهد صاحبها لمغالبة حالة عُصابية بلغة عنترية عن واقع مُتخيّل مشوّه بالتآمر من الداخل والخارج . الأزمة الوطنية لم تعد في الكذب إذ أصبح ممارسة مألوفة . لكن محور الأزمة في تسويق الأكاذيب بغية ارتكاب ماهو أثقل وقعًا على الوطن و أفدح خسارة على الشعب ؛النأي عن السلام والتوغل في الخرب . محنة الوطن رغم العنف لم يعد القابضون على مقاليد السلطة قادرين على البقاء في مواقعهم دون ابتكار المزيد من الأكاذيب .هكذا أمست ألدولة برمتها مصنعا لانتاج الكذب عليه تعتاش وبه تستعين على جبهات الحرب و الحياة اليومية.هي لا تدرك ولا تحب ان تدرك وهن العلائق بينها وبين المواطنين على تباين مداراتهم .فقط الفئات العائشة على فتات الأساطين لا تزال تمارس خداع الذات بالرهان على استعادة الدولة المفقودة . ذلك رهان لن يتحقق قبل عودة الوعي لدى النُخب واستعادة القدرة المعطّلة على الفعل . كذلك حينما تقتنع غالبية الجماهير بحتمية الربط بين الاستقامة الشخصية والاستقامة الوطنية .فالكذب على الشعب هو كذب على الذات الجمعية ولها الانتماء .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم