الكفاءة وحدها لا تكفي: دعوة لتأهيل المعلم السوداني لسوق العمل في الخارج

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
أعاد إعلان دولة الكويت عن حاجتها لمعلمين سودانيين الأمل لآلاف الكفاءات التربوية الباحثة عن فرص عمل كريمة تليق بخبراتهم وإمكاناتهم. ولا شك أن المعلم السوداني ظل عبر عقود طويلة محل تقدير في دول الخليج، لما عُرف عنه من علم راسخ، وانضباط مهني، وقدرة على العطاء في أصعب الظروف.
لكن، وفي خضم هذا التفاؤل، برزت بعض الأصوات الناقدة – وإن كانت معزولة وغير منصفة – تشكك في كفاءة المعلم السوداني. وقد تصدى لها كثير من الأشقاء في الخليج بوعي وإنصاف، مؤكدين المكانة التي يحظى بها المعلم السوداني. ومع ذلك، فإن مثل هذه المواقف يجب ألا تُقابل فقط بالدفاع العاطفي، بل ينبغي أن تدفعنا أيضاً إلى وقفة مراجعة صادقة مع الذات.

في ظل تزايد الطلب على المعلمين المؤهلين، تشير التجارب العملية إلى أن التحدي الأكبر لم يعد في التوظيف، بل في الاستمرار والنجاح داخل بيئات عمل مختلفة ومتطلبة.

إن الهدف من هذا المقال ليس الرد على الانتقادات، بل تجاوزها نحو ما هو أهم: كيف نُعزّز من جاهزية المعلم السوداني للعمل في بيئات مختلفة، ذات ثقافات مهنية واجتماعية قد تختلف عمّا ألفه في الداخل؟

من واقع تجربة طويلة في العمل بدول الخليج، يمكن القول بثقة إن الكفاءة العلمية وحدها لا تكفي. فنجاح المعلم في الخارج لا يعتمد فقط على معرفته الأكاديمية، بل على حزمة متكاملة من المهارات الشخصية والسلوكية، في مقدمتها:

  1. مهارات التواصل الفعّال مع طلاب من خلفيات متنوعة.
  2. القدرة على العمل ضمن فرق تعليمية متعددة الجنسيات.
  3. فهم الثقافة المؤسسية واحترام الأنظمة واللوائح المدرسية الحديثة.
  4. الذكاء العاطفي، بما يشمله من ضبط النفس، والتعاطف، والمرونة.
  5. إدارة الصف بأساليب حديثة تتماشى مع البيئات التعليمية المتطورة.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة لأن تضطلع وزارة التربية والتعليم في السودان بدور استباقي، من خلال تصميم برنامج تأهيلي قصير ومكثف للمعلمين الذين يتم اختيارهم للعمل في دولة الكويت والخارج بصورة عامة.

مقترح ملامح الدورة التأهيلية:
1) التأهيل الثقافي والمهني: تعريف بالبيئة التعليمية في دول الخليج، طبيعة الطالب، العلاقة مع أولياء الأمور، وأنماط الإدارة المدرسية.
2) البروتوكول المهني والهوية البصرية: التدريب على مهارات لغة الجسد، “الكاريزما” التربوية، الهندام المهني (الصورة المهنية للمعلم branding).
3) التحول الرقمي واستراتيجيات التدريس: التدريب المكثف على منصات التعلم عن بُعد (مثل Microsoft Teams وCanvas)، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم، وأساليب التقييم المستمر.
4) تدريب عملي على فنون الحوار، إدارة الخلافات المهنية، وقراءة المواقف الاجتماعية بذكاء. ويشمل ذلك أيضًا التدريب على صياغة الخطابات والمراسلات الرسمية وفق الأنماط الإدارية المتبعة في الدولة المعنية.
كما يتضمن إتقان أصول التواصل الرقمي الرسمي، مع التركيز على المصطلحات التعليمية والتربوية باللغتين العربية والإنجليزية، بما يضمن سلاسة التعامل مع الإدارة المدرسية وأولياء الأمور.
5) أخلاقيات المهنة والسلوك: تعزيز قيم الانضباط، احترام الخصوصيات الثقافية، والالتزام الصارم باللوائح القانونية والتربوية.
6) الاستفادة من الخبرات السابقة (محاكاة واقعية – :(Simulation توظيف تجارب المعلمين السودانيين الذين سبق لهم العمل في الخليج عبر:
o استضافة معلمين ذوي خبرة لنقل تجاربهم الواقعية مباشرة للمتدربين.
o تحويل النجاحات والتحديات الحقيقية إلى “دراسات حالة” للنقاش والتحليل.
o تضمين هذه التجارب العملية ضمن الكتيب المرجعي لهذه الدورة ليكون دليلاً عملياً للمتدرب لاحقاً.

كما أن نجاح هذا البرنامج يستدعي تضافر الجهات المعنية؛ إذ يمكن لنقابة المعلمين السودانيين أن تضطلع بدور محوري في تنفيذ هذه الدورات أو اعتمادها، مستفيدة من قربها من الميدان التربوي وتماسها المباشر مع هموم المعلمين واحتياجاتهم المهنية.

بُعد اقتصادي واستراتيجي:
إن الاستثمار في مثل هذه الدورات ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. فالمعلم المجهز نفسياً ومهنياً يكون أكثر استقراراً في بيئة العمل الجديدة، وأكثر قدرة على الاستمرار والترقي، مما يعزز في نهاية المطاف من دور المغترب في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير تدفقات مالية مستدامة. فنجاح المعلم السوداني في الخارج لا يمثل إنجازاً فردياً فحسب، بل هو صورة للوطن بأكمله، وفرصة لتعزيز الثقة في الكوادر السودانية وفتح آفاق أوسع لكافة المهنيين.

فقرة توضيحية: أهمية التوازن في التعاقد وظروف المعيشة:
من المهم أن يطّلع المعلمون السودانيون على الجوانب العملية المرتبطة بعقود العمل المقترحة. فالعروض التي تتراوح بين 250 و350 دينارًا كويتيًا تقل بنسبة ملحوظة عن متوسط الرواتب في المدارس الخاصة، والتي تتراوح بين 450 و600 دينار، وغالبًا ما تكون مصحوبة بامتيازات إضافية مثل السكن والترحيل.
لذا، يُنصح كل معلم قبل التوقيع بإجراء حسبة دقيقة لـ”صافي العائد”. فبعد خصم تكاليف السكن (سواء كان مستقلاً أو مشتركًا)، وفواتير الخدمات، والمعيشة اليومية، والمواصلات—في حال عدم توفرها—قد يتبقى فائض محدود لا يحقق الجدوى المرجوة من الاغتراب.
وهنا تبرز الحاجة لأن تضطلع وزارة التربية والتعليم والجهات السيادية السودانية بدور أكثر فاعلية في التفاوض لتحسين شروط التعاقد، بدلاً من ترك المعلم يواجه بمفرده شروطًا غير متوازنة.
كما ينبغي فرض رقابة مؤسسية على عمليات الاختيار والمقابلات، لضمان نزاهتها ومهنيتها، وعدم ارتهانها لشركات التوظيف والوساطة التي قد تغلّب مصالحها الربحية على حقوق المعلمين.
إن الهدف ليس تثبيط الهمم، بل تمكين المعلم من اتخاذ قرار واعٍ، وتوفير مظلة رسمية تحميه من الاستغلال، وتضمن له بيئة عمل تليق بخبرته وعطائه.
ختاماً، إننا نؤمن بأن المعلم السوداني يمتلك الأساس المتين من العلم والخبرة، وما يحتاجه هو صقل المهارات الناعمة والتقنية التي أصبحت معياراً عالمياً. إن المعلم السوداني هو سفيرٌ فوق العادة، وتأهيله ليس تجميلاً لصورتنا، بل صوناً لإرثنا التعليمي العريق واستثماراً في مستقبل أبنائنا في الداخل والخارج.

فالعالم لم يعد يقيس الإنسان بما يعرفه فقط، بل بكيفية تفاعله مع الآخرين، وقدرته على التكيف، وإدارته لذاته قبل كل شيء. الكفاءة وحدها لا تكفي… ولكنها تظل البداية التي لا غنى عنها.

salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

“دولي” والذكاء الاصطناعي: هل تنقذ التشريعات “الياقات البيضاء”؟

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارةلم يعد الحديث عن هيمنة الذكاء الاصطناعي ترفاً فكرياً أو …