سودانايل – تقرير خاص: في قلعة المحينة، الواقعة على بُعد 700 متر جنوب ضاحية الصالحة بأم درمان، ظل “عم الحاج”، الرجل الثمانيني، يُقاوم وطأة المرض داخل منزله الذي تحوّل إلى سجنٍ إجباري. لم يكن يعاني فقط من نقص الدواء، بل أيضاً من العطش، بعد أن جفّت مواسير المياه واضطرت أسرته لاستخدام مياه الآبار القديمة و”الكواري” كمصدر وحيد للشرب، رغم عدم صلاحيتها. لم يستطع “عم الحاج” مقاومة الإسهال ونوبات القيء المتكررة التي ألمّت به خلال عشرة أيام، ليفارق الحياة مع ثلاثة من أحفاده، متأثرين جميعاً بالكوليرا. ولحقت بهم ابنته قبل يوم واحد فقط من دخول الجيش إلى المنطقة. كانت محاولات أفراد من أسرته الممتدة، لجلب الطعام والأدوية من خارج الصالحة قد جاءت متأخرة، في ظل وضع أمني وإنساني متدهور.قصة “عم الحاج” ليست استثناءً، بل نموذج متكرر لمئات الحالات التي تشهدها ولاية الخرطوم، والتي تواجه تصاعداً مقلقاً في أعداد الإصابات بالأمراض الوبائية، في ظل انهيار شبه تام للقطاع الصحي.

بلا ماء ولا دواء
“الناس كانوا يموتون في بيوتهم وأسرّتهم بسبب غياب الرعاية والأدوية والمحاليل”، بهذه الكلمات وصف عضو بالمكتب الإعلامي لمركزية لجان أحياء صالحة الوضع في منطقته، مؤكداً لـ(سودانايل) أن جميع المراكز الصحية الخمسة بصالحة احتلتها قوات الدعم السريع، وخصصتها حصرياً لعلاج منسوبيها، تاركة المدنيين يواجهون مصيرهم وحدهم.
وكشف عضو المركزية – الذي فضّل حجب هويته لأسباب أمنية – أن قوات الدعم السريع فرضت قيوداً صارمة على الحركة والتجمع، مشيرًا إلى أن مجرد وجود أربعة أشخاص معاً كان كفيلاً بإثارة الشكوك. وأضاف: “عندما يمرض أحدهم، عليه أن يبقى في منزله، فلا توجد طريقة للحصول على علاج أو حتى إسعافات أولية بسبب غياب الفرق الطبية وانعدام الأمان”.
وأشار إلى أن عدد الوفيات بالكوليرا في الصالحة قد تجاوز الـ50 حالة، رغم أن الأرقام تقديرية فقط، كما أن انهيار النظام الصحي تفاقم بعد الأشهر الستة الأولى من الحرب، حين تم نهب كل صيدليات المنطقة، باستثناء تلك التي استولت عليها قوات الدعم السريع لاستخدامها الحصري.
تضررت أحياء وسط الصالحة بشكل خاص، حيث عاد السكان لاستخدام مياه الآبار المهجورة منذ سنوات. كما أصبحت محطة المياه الرئيسية تضخ مياهً ملوثة نتيجة توقف أعمال الفلترة والتعقيم بعد مغادرة الفنيين.
حصار، إعدامات ومنع كامل للحركة
أوضح عضو المكتب الإعلامي للجنة الصالحة أن قوات الدعم السريع فرضت حصارًا مشددًا على المنطقة طوال العام الماضي، ومنعت السكان من الخروج أو التنقل. كما أكد وقوع عمليات إعدام ميداني لشباب حاولوا مغادرة المنطقة، حيث تم القبض عليهم وتصفيتهم في الطريق العام.
شرق النيل: استقرار نسبي لا يخلو من المخاطر
في شرق النيل، يبدو الوضع أكثر استقراراً، لكنّه مهدد بالانهيار في أي لحظة. تقول منسقة المكتب الطبي لغرفة طوارئ المنطقة، دكتورة لينا لطفي، لـ(سودانايل): “لدينا حالياً أكثر من 20 إصابة مؤكدة بالكوليرا في البان جديد، و18 حالة منومة بمركز العزل في أم ضوبان، فيما يبلغ العدد التراكمي للإصابات منذ بداية مايو بلغ 63 حالة”.
ورغم أن مراكز العزل تعمل، إلا أن النظام الصحي يعاني من ضعف في الإحالة وغياب الفرق الطبية بالأحياء. وأشارت لينا، إلى أن بعض الحالات تُعزل منزلياً لعدم توفر أماكن بالمستشفيات، بينما يتسبب انقطاع الكهرباء في تدهور نوعية المياه واعتماد السكان على مصادر غير صحية، ما يزيد من احتمالية انتشار الوباء.

جنوب الحزام: تفشٍ واسع للكوليرا وحمى الضنك
في جنوب الحزام، تصاعدت الأزمة بشكل ملحوظ. فقد أعلنت غرفة الطوارئ هناك عن تسجيل أكثر من 40 حالة إصابة مؤكدة بالكوليرا خلال أسبوعين فقط، إلى جانب حالتي وفاة. كما شهدت أحياء المنطقة انتشاراً واسعاً لحمى الضنك والحمى الحبشية، في ظل غياب شبه كامل للخدمات الصحية.
وقال المتحدث باسم غرفة الطوارئ، أحمد فاروق موسى، لـ(سودانايل): الاستجابة كانت محدودة، خاصة بعد إغلاق المكتب الطبي التابع للغرفة من قبل جهات أمنية. وأضاف: “لا توجد فرق طبية ميدانية ولا نقاط إسعاف، وأطباء بلا حدود هي الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات صحية بدعم محدود”.
وأوضح فاروق أن أبرز التحديات تشمل تلوث المياه، تدهور البنية الصحية، غياب الدعم، وتعطيل وصول الكوادر الطبية إلى المصابين. كما ناشد السلطات والمنظمات الدولية التدخل العاجل وتسهيل عمل المتطوعين والكوادر لإنقاذ الأرواح.
بيئة ملوثة و450 إصابة بمستشفى النو
وصفت دكتورة أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية وعضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، الوضع في ولاية الخرطوم بـ”الكارثي”، مشيرة إلى تفشي العدوى بسبب تلوث المياه، وانقطاع الكهرباء، وتكدّس النفايات. وقالت لـ(سودانايل) : في مستشفى النو وحده أكثر من 450 حالة إصابة بالكوليرا أول أمس، و150 حالة وفاة. الوضع خارج السيطرة”.
وأضافت أن المرافق الصحية تفتقر للأدوية والمحاليل، حيث يحتاج مريض الكوليرا بين 50 إلى 60 درباً يومياً، وهي غير متوفرة. وعنابر العزل لم تعد تستوعب الأعداد، بينما لم تصل أي إمدادات طبية كافية من الجهات المعنية، بما في ذلك مستشفى أمدرمان.
ودعت أديبة وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر لتوفير الإمدادات الطبية والكوادر الصحية فوراً، قائلة: “المجاعة، وسوء التغذية، وتلوث البيئة، كلها تهدد الآلاف. لا بد من وقف فوري للحرب حتى نتمكن من تنظيف البيئة وعودة الناس إلى منازلهم”.
وفي إطار الاستجابة لتفشي الكوليرا بولاية الخرطوم، يواصل فريق الطوارئ الصحية التابع لجمعية الهلال الأحمر السوداني فرع ولاية الخرطوم تدخلاته الميدانية لمواجهة تفشي الإسهالات المائية (الكوليرا) في مستشفيات النو، أم درمان، وأمبدة، بمشاركة مئات المتطوعين. وقال مدير مكتب الاعلام بالجمعية هيثم ابراهيم لـ(سودانايل) : شملت الجهود تقديم الدعم الطبي والتوعوي، حيث نُفذت حملة توعية في منطقة صالحة استهدفت أكثر من 500 منزل، ووزعت حبوب الكلور مع شرح طريقة استخدامها، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة، تعزيزًا للسلامة الصحية المجتمعية.
آلاف الإصابات ومياه غير صالحة
كشف تقرير لمركز عمليات الطوارئ الاتحادي التابع لوزارة الصحة، عن تسجيل 2729 إصابة بالكوليرا خلال أسبوع واحد، بينها 172 وفاة، 90٪ منها في ولاية الخرطوم، خاصة في محليات كرري، أم درمان وأمبدة. وأفاد تقرير صحة البيئة الصادر امس، بأن 328 مصدر مياه من أصل 1415 كانت غير مطابقة للمواصفات.
أما تقرير الإمدادات الطبية، فقد رصد تفاوتاً كبيراً في توفر 56 صنفاً دوائياً حيوياً، وأشار إلى وصول 120 طناً من الإمدادات الطبية إلى الخرطوم، بينما يجري تجهيز 30 طناً إضافياً من غرفة عطبرة الإقليمية.
استمرار انهيار النظام الصحي، وغياب المياه النقية، وانتشار النفايات، يجعل الوضع قابلًا لمزيد من الانفجار الوبائي ما لم تُتخذ خطوات عاجلة وفعالة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم