علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
منذ اللحظة الأولى لإنفجار الحرب في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ لم يكن السودان مجرد ساحة اقتتال بين جنرالين، بل مختبرًا مفتوحًا تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع القانون الدولي، والسياسة مع الأدلة الفنية، والدعاية مع الوقائع على الأرض. ما بدأ كصراع على السلطة داخل قلب الدولة سرعان ما تحوّل إلى حرب شاملة طالت المدن والقرى والمستشفيات والأسواق، وأنتجت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم المعاصر. ومع اتساع رقعة القتال، بدأت تتكاثف روايات عن انتهاكات جسيمة؛ قصف عشوائي، حصار للمدن، تجويع ممنهج، واستخدام لوسائل قتال تتجاوز حدود ما تسمح به قواعد الحرب.
وسط هذا المشهد الدموي ظهرت، في خريف ٢٠٢٣ وبدايات ٢٠٢٤، أولى التقارير المقلقة عن استخدام مواد سامة في ساحات القتال. لم تأتِ هذه التقارير من جهة واحدة، بل من شهادات ميدانية لمدنيين، ومنظمات طبية، وفرق رصد مستقلة، ومقاطع مصورة تُظهر مقاتلين يرتدون أقنعة واقية من الغازات. في البداية بدت هذه الادعاءات بالنسبة للبعض كجزء من حرب المعلومات، لكن تكرارها واتساع رقعتها، من الخرطوم إلى الجزيرة وكردفان ودارفور، حوّلها إلى مسألة لا يمكن تجاهلها. مع مطلع ٢٠٢٥ خرج الملف من دائرة الجدل المحلي إلى المسرح الدولي. ففي يناير من ذلك العام فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات شخصية على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بموجب الأمر التنفيذي رقم ١٤٠٩٨، في خطوة ربطتها واشنطن بعرقلة الانتقال المدني وسلوك القوات في الحرب. ثم جاءت لحظة أكثر خطورة في أبريل ومايو ٢٠٢٥ حين أعلنت الإدارة الأميركية، استنادًا إلى قانون حظر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أنها توصّلت إلى تحديد رسمي بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال النزاع. عند هذه النقطة لم يعد الأمر مجرد اتهام سياسي؛ أصبح مسارًا قانونيًا مكتوبًا، أُحيل إلى الكونغرس، ونُشر لاحقًا في السجل الفيدرالي، وتحوّل إلى مرجع لكل نقاش لاحق حول مسؤولية الدولة السودانية في هذه الحرب.
منذ ذلك التاريخ تغيّر ميزان النقاش. لم يعد السؤال فقط؛ من بدأ الحرب؟ بل صار السؤال الأشد إلحاحًا؛ كيف تُدار هذه الحرب، وبأي أدوات، وعلى حساب من؟ وهل يمكن السماح بأن تمر جريمة من هذا النوع دون تحقيق فني دولي محايد؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية لهذا المقال؛ قصة اتهام خطير، ورد فعل رسمي متوتر، وضغط دولي متصاعد، ورفض سوداني لإتاحة تحقيق مستقل تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، رفض سيجعل من مسألة الحقيقة ساحة صراع بقدر ما هي ساحة حرب. فحين تُصِرّ سلطةٌ ما على أن الاتهام “مؤامرة سياسية”، ثم تُغلق في الوقت نفسه كل الأبواب أمام آليات التحقق الفني المحايد، فإنها لا تدافع عن براءتها بقدر ما تدافع عن “حقها في الغموض”. وفي ملف الاتهامات المرتبطة باستخدام أسلحة كيميائية في حرب السودان، الغموض ليس تفصيلاً ثانوياً؛ هو خط الدفاع الأخير. لأن الفحص الدولي المحايد لا يحاكم الخطاب، بل يحاكم الأثر؛ عينات، سلاسل إمداد، خرائط رياح، زمن التعرض، نمط الإصابات، وبقايا المواد في التربة والمياه. هنا تحديدًا تتهاوى البلاغة، ويبدأ العلم في قول كلمته القاطعة. من الناحية الأميركية، لم تبدأ القصة بعبارة إعلامية عابرة، بل بإجراءات رسمية متدرجة ومؤرخة. في ٧ يناير ٢٠٢٥ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” ضمن عقوبات مرتبطة بالأمر التنفيذي رقم ١٤٠٩٨. ثم في ١٦ يناير ٢٠٢٥ أعلنت وزارة الخزانة إدراج قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان على القائمة ذاتها، وبالمرجعية القانونية نفسها (الأمر التنفيذي رقم ١٤٠٩٨). والأهم هنا أن بيان وزارة الخزانة لم يقدّم العقوبات بوصفها “خلافًا سياسيًا”، بل بوصفها استجابة لمسار حرب وعرقلة تسوية، مع إشارات مرتبطة بسلوك القوات في الميدان. وفي اليوم نفسه دعّمت وزارة الخارجية الأميركية هذه الخطوة ببيان منفصل يربط العقوبات بسياق الحرب ومصادر التسليح.
ثم جاءت النقلة الأخطر؛ ليس توصيفًا سياسيًا ولا “تقديرًا استخباريًا داخليًا” فقط، بل تحديد قانوني بموجب قانون أميركي خاص بحظر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. ففي ٢٤ أبريل ٢٠٢٥ قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها توصّلت إلى “تحديد” بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام ٢٠٢٤، وذلك بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وإنهاء الحرب بها لعام ١٩٩١. هذا التحديد أُعلن علنًا في ٢٢ مايو ٢٠٢٥ مع حزمة “تدابير” وعقوبات تُفعّل بعد النشر في السجل الفيدرالي (وقد أشارت وزارة الخارجية إلى توقيت تقريبي للتفعيل حول ٦ يونيو ٢٠٢٥). وبعد ذلك، جاء التوثيق الإجرائي في السجل الفيدرالي بتاريخ ٢٧ يونيو ٢٠٢٥ لشرح نوع القيود/الاستثناءات (المساعدات، وضبط صادرات وتراخيص معينة، مع استثناءات إنسانية وتنازلات جزئية لأسباب “مصلحة أمن قومي”).
ردّ الفعل داخل واشنطن لم يتوقف عند السلطة التنفيذية. ففي ٢٣ مايو ٢٠٢٥ صدرت مواقف من الكونغرس ترحّب بقرار الإدارة وتطالب بترجمة التحديد القانوني إلى ضغط سياسي أوسع ومسار محاسبة. كما ظهر النقاش ذاته في تغطيات دولية نقلت تفاصيل أن الإجراءات تشمل تقييد صادرات أميركية وتقييد الوصول إلى خطوط ائتمان حكومية. وعلى مستوى الخطاب الدبلوماسي الأميركي بالأمم المتحدة، استمر حضور الاتهام في إحاطات لاحقة؛ فبعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة أدانت “استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية” في كلمة رسمية بمجلس الأمن بتاريخ ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥. (موقع عضو الكونغرس كريس سميث، وكالة رويترز
وبعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة) في المقابل، اختارت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان مسارًا دفاعيًا يقوم على ركيزتين؛ نفيٌ سياسي، ورفضٌ عملي لأي مسار يمكن أن يحوّل النفي إلى اختبار. ولدى الأمم المتحدة وثائق تُظهر كيف انتقل الرد السوداني إلى مجلس الأمن عبر رسائل رسمية أواخر مايو ٢٠٢٥ تُجادل ضد “التدابير الأحادية” وتدفع باتجاه التشكيك في مشروعية الإجراء الأميركي، مع الإشارة إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وضرورة احترام الأطر المتعددة الأطراف. وبمعزل عن مضمون النفي، فإن نقطة الصدام الجوهرية هنا ليست “البيان” بل “الآلية”؛ من يملك حق الوصول إلى المواقع؟ من يأخذ العينات؟ من يضمن سلسلة الحيازة؟ ومن يعلن النتائج؟
أما دوليًا، فالمشهد كان أكثر تدرجًا وحذرًا، لأن أغلب العواصم تعرف أن ملف الكيميائي حساس ويُدار عادةً عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية). ومع ذلك، بدأت مواقف علنية تصرّ على المبدأ؛ أي ادعاء باستخدام الكيميائي يجب أن يُقابل بتحقيق مهني مستقل. مثال واضح على ذلك هو الموقف البريطاني؛ حيث تنقل ثائق البرلمان البريطاني أن وزير الخارجية (بحسب إجابات رسمية نُشرت لاحقًا) شدد في ٢٣ مايو ٢٠٢٥ على أن أي استخدام للأسلحة الكيميائية “غير مقبول”، وطالب بأن تتعاون القوات المسلحة السودانية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتسهيل تحقيق شامل ومحايد.
ثم جاءت موجة ثانية من التفاعلات عبر منظمات حقوقية وإعلام استقصائي، وهو ما زاد الضغط المعنوي على مطلب التحقيق. منظمة هيومن رايتس ووتش تحدثت في ٩ أكتوبر ٢٠٢٥ عن تقارير “مقلقة” بشأن استخدام محتمل لغاز الكلور، وذكّرت بالعقوبات الأميركية على البرهان في يناير ٢٠٢٥، مع ملاحظة أن واشنطن لم تنشر أدلتها التفصيلية للعلن. وفي نوفمبر ٢٠٢٥ نشرت قناة فرانس ٢٤ (قسم المراقبون) تحقيقًا استقصائيًا حول مسار حصول الكلور “المستورد للتنقية” وكيف يمكن أن يتحول إلى أداة حرب، مع توثيق مواد مرئية والتحقق منها. ودعمت مؤسسة تحليل الصراعات والتجارة في الأسلحة (سي فور إيه دي إس) التحقيق عبر بيان يتحدث عن تتبّع سلسلة إمداد تربط المصدر بالخارج ومسار التحويل داخل السودان. على المستوى الإقليمي/الأفريقي، لا تظهر عادةً بيانات تذهب مباشرةً إلى “تسمية الكيميائي” بقدر ما تركز على وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة الدولة، لكن مؤسسات القارة ظلّت تُعيد التذكير بمركزية المحاسبة وكسر حلقة الإفلات من العقاب ضمن مقارباتها الأشمل للأزمة. وعلى المستوى الأوروبي، ركّزت بيانات الاتحاد الأوروبي المتأخرة في ٢٠٢٥ على “المساءلة” ودعم التوثيق والتحقيق في الانتهاكات عمومًا، وهو سياق يتقاطع مع ملف الكيميائي باعتباره انتهاكًا من أعلى درجات الخطورة.
ليطلّ السؤال الأخطر برأسه مرات ومرات؛ لماذا يرفض من يعلن براءته أن تُختبر هذه البراءة في مختبرٍ مستقل؟ لأن تحقيقًا دوليًا محايدًا تحت آليات معروفة مثل آليات تقصّي الحقائق والتقييم الفني، لن يكتفي بسؤال “هل استُخدم عامل كيميائي؟”، بل سيذهب مباشرةً إلى ما يخشاه كل فاعل مسلح في حرب بلا ضوابط؛ سلسلة القرار والمسؤولية. متى وقع الاستخدام (زمنيًا)؟ أين وقع (جغرافيًا)؟ هل يتطابق نمط الإصابة مع اتجاه الرياح وخصائص المادة؟ هل توجد آثار في التربة والمياه؟ ما هي “سلسلة الحيازة” للعينات؟ وهل يمكن ربط الذخائر/الحاويات/طرق النقل ببنية إمداد محددة؟ هذا النوع من التحقيق لا يترك مساحة واسعة للإنكار الخطابي؛ يجعل الإنكار مجرد “رواية” أمام “بينة”. والمفارقة أن واشنطن حين انتقلت من عقوبات أفراد (يناير ٢٠٢٥) إلى “تحديد قانوني” باستخدام الكيميائي (أبريل/مايو ٢٠٢٥) كانت تقول ضمنيًا إن الملف تجاوز مرحلة التقدير السياسي إلى مرحلة “المسؤولية الدولية”، حتى لو بقيت التفاصيل الفنية غير منشورة للرأي العام. وعندما تُنقل الاتهامات إلى مجلس الأمن كوثائق رسمية ورسائل متبادلة، يصبح الرفض نفسه “واقعة سياسية” قابلة للتدوين؛ طرف يطالب بالتحقيق وطرف يرفض أو يناور حول صيغته.
إذاً من يثق في نفسه يطلب التحقيق لا يهرب منه، لأن التحقيق يطهر الساحة، ويغلق الباب أمام الاستثمار السياسي في الاتهام. أما من يرفض التحقيق المحايد ثم يلوّح بلجان داخلية فضفاضة أو خطابات تعبئة، فهو لا يدافع عن حقيقةٍ ما، بل يدافع عن “احتكار الرواية”. واحتكار الرواية في جرائم من هذا النوع يعني عمليًا؛ إبقاء الباب مواربًا أمام الإفلات من المحاسبة، وإبقاء الضحايا بلا دليل قضائي مكتمل الأركان، وإبقاء المجتمع الدولي أمام احتمال تكرار الجريمة. وبين هذا وذاك، هناك حقيقة واحدة لا تتغير؛ الاتهام الكيميائي، سواء ثبت لاحقًا بتفاصيله الكاملة أو ظل محل نزاع خرج من نطاق “الهمس المحلي” إلى سجل إجراءات دولية مكتوبة؛ عقوبات وزارة الخزانة (يناير ٢٠٢٥)، تحديد قانوني أميركي (٢٤ أبريل ٢٠٢٥) وإعلان علني (٢٢ مايو ٢٠٢٥)، نشر بالسجل الفيدرالي (٢٧ يونيو ٢٠٢٥)، جدل رسمي في وثائق مجلس الأمن (مايو ٢٠٢٥)، ثم استمرار الإدانة في كلمات أميركية لاحقة (ديسمبر ٢٠٢٥)، مع ضغط حقوقي وإعلامي متراكم.
هكذا اكتملت الدائرة؛ من رصاصٍ أُطلق في فجر الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، إلى مختبراتٍ تبحث عن آثار غازاتٍ سامة في تربةٍ مثخنة بالجراح. لم يعد ملف الكيميائي في السودان حديث مقاهٍ أو دعاية حرب، بل مسارٌ موثّقٌ بخطواتٍ متتابعة لا يمكن القفز فوقها؛ عقوبات وزارة الخزانة الأميركية في ٧ و١٦ يناير ٢٠٢٥، ثم التحديد القانوني الرسمي في ٢٤ أبريل ٢٠٢٥، والإعلان العلني في ٢٢ مايو ٢٠٢٥، ونشر القرارات في السجل الفيدرالي في ٢٧ يونيو ٢٠٢٥، وصولًا إلى تثبيت الاتهام في أروقة مجلس الأمن في ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥. هذا التسلسل ليس صدفةً ولا ارتجالًا، بل مسار دولة عظمى حين تقرر أن تحوّل الشك إلى التزام قانوني.
في المقابل، اختارت السلطة العسكرية في السودان أن تحتمي بالإنكار، وتلوذ باللجان الداخلية، وترفض فتح الباب أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجهة الوحيدة القادرة على تحويل الخطاب إلى علم، والادعاء إلى نتيجة مخبرية غير قابلة للمزايدة. ومن يهرب من الفحص المحايد لا يفعل ذلك لأنه واثق، بل لأنه يعرف أن المختبر لا يعرف المجاملات، وأن تقرير الخبراء لا يخضع للتهديد ولا للدعاية.
إن معنى هذه اللحظة يتجاوز شخص البرهان أو طبيعة الحرب؛ إنها اختبار لقاعدة بسيطة في القانون الدولي؛ الجرائم التي تُرتكب ضد المدنيين لا تُمحى بالإنكار، بل تُثبت أو تُدحض بالتحقيق الفني المستقل. وإذا كان هناك درسٌ واحد يفرض نفسه من هذا المسار كله، فهو أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تتبدد؛ وأن العدالة سواء جاءت من لاهاي، أو من لجان دولية، أو من محاكم سودانية مستقبلية تسير ببطء، لكنها لا تتراجع.
لقد انتقل الملف من ساحة القتال إلى سجل التاريخ القانوني، ومن صخب الخطابة إلى صرامة الأدلة، ومن حدود السودان إلى طاولة مجلس الأمن. وكل من ظن أن الزمن كفيلٌ بطمس الحقيقة سيكتشف أن الكيمياء لا تكذب، وأن الوثائق لا تنسى، وأن العالم حين يدوّن جريمة، فإنما يهيئ طريق المحاسبة طال الزمن أم قصر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم