لبنى أحمد حسين
كان لافتًا، بالنسبة لصحفية مخضرمة مثلي، أن تنشر «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، وهما من كبريات الصحف الأمريكية، في اليوم نفسه، الخامس من سبتمبر، تحقيقين حول الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية في السودان.
وما يستحق الإشادة، قبل أي شيء، هو قدر الشفافية الذي تعاملت به الصحيفتان مع طبيعة المواد ومصدرها. فلم تقدما الملف باعتباره شهادات لشهود عيان على الأرض، جمعها مراسل متعاون مع الصحيفة أو استنطق أصحابها، أو رواية صحفي متخفٍّ شاهد الوقائع التي صوّرها بنفسه في أم درمان أو غيرها، أو أسرارًا كشفها ضابط سوداني منشق. بل أوضحت «واشنطن بوست» أن الملف وصل إليها عبر مصدر أمني من الشرق الأوسط، وإن لم تكشف هويته أو الدولة التي ينتمي إليها، كما كانتا واضحتين بشأن حدود ما تستطيع الصحافة وحدها التحقق منه.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
فخضوع الصور والمقاطع والوثائق لفحص خبراء، وعدم العثور على مؤشرات للتلاعب بها، لا يعني أن الصورة، بذاتها، تثبت مكان التقاطها، أو أن ما يظهر فيها وقع فعلًا في سودان البرهان، أو أن المواد تمثل بالضرورة ما تقول الرواية المصاحبة إنها تمثله. فالتحقق من أن الصورة لم تُفبرك شيء، والتحقق من صحة الرواية التي تصاحبها شيء آخر.
في قضية بهذا الحجم، لا ينبغي أن يُطلب من السودانيين اختيار سردية إعلامية أو سياسية، ثم تصديقها أو تكذيبها دون دليل.
نريد الحقيقة.
فإذا كانت الادعاءات كاذبة، فلماذا لا تطلب حكومة البرهان تحقيقًا دوليًا مستقلًا من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإثبات براءتها؟
ومن الجهة الأخرى، إذا كانت الأدلة التي تملكها الولايات المتحدة قد دفعتها إلى فرض عقوبات على حكومة البرهان، فلماذا لا تتقدم إلى المنظمة نفسها بطلب تحقيق يفحص هذه الاتهامات ويختبر الأدلة التي تستند إليها؟
هل الاتهامات كافية لفرض عقوبات، لكنها لا تكفي لطلب تحقيق دولي من المنظمة المختصة؟
بل لماذا لا تتقدم الجهة التي سربت الملف إلى كبريات الصحف الأمريكية بما لديها من أدلة إلى المنظمة المختصة؟
هناك طريق ثالث بين التصديق والتكذيب:
التحقيق.
هذه مجرد مطالبة مهنية وأخلاقية بالانتقال من الروايات المتداولة ونفيها إلى الفحص الفني المستقل لإثباتها أو نفيها.
لا نريد إدانة أحد قبل أن تثبت الأدلة.
ولا نريد تبرئة أحد باللسان.
نريد الحقيقة..
فهل هذا كثير؟
منشن:
#OPCW
#ChemicalWeapons
