احمد سلام
11/11/2025
يختتم د. النور حمد مقاله “جرعةُ التضليلِ الأخيرة (الجزء الثالث (3 – 4))” المنشور بـ “سودانايل” بتاريخ 11/10/2025، بالحديث عن الحاجة إلى دراسة علمية لظاهرة “عدم انضباط الجنود وجنوحهم للتنكيل والتشفِّي والتفلُّت”. ولحسن حظنا, سوف يتصدى الكاتب في الجزء الرابع من هذه السلسلة جرعةُ التضليلِ الأخيرة للحديث عن جذور هذه الظاهرة التي تنتمي إلى السياقات التاريخية ما قبل الحديثة، على حد تعبيره. إن الحديث عن الدراسة العلمية يوحي بأن الكاتب يعتمد منهجية تحليلية صارمة، وأن استنتاجاته مبنية على تمحيص علمي عميق، على غرار ما فعله في دراساته السابقة مثل دراسة “العقل الرعوي”؛ وهي أشياء يجد العامة صعوبة في استيعابها (حسب زعمه). إلا أن هذا المقال بأكمله يقوم على سلسلة من الادعاءات غير المدعومة بأدلة، والتي تتبنى، في جوهرها، نظرية مؤامرة شاملة لتبرير إخفاقات قوات الدعم السريع (RSF) وتوجيه اللوم المطلق نحو القوات المسلحة السودانية (SAF) والفصائل الإسلامية المتحالفة معها.
سوف أحاول هنا تقديم قراءة نقدية للمقال، بهدف تقييم مدى التماسك المنطقي للسردية التي يقدمها حول الحرب الدائرة في السودان. وسأبين كيف يتبنى الكاتب سردية مبنية على نظرية المؤامرة وتتجاهل الواقع المركّب والمتشابك العوامل. مما دفع الكاتب إلى تبني آليات للتبرير النفسي، بما في ذلك التنافر المعرفي، للحفاظ على موقفه السياسي المتمثل في دعم مشروع “تحالف تأسيس” الموالي لقوات الدعم السريع. هذا الموقف يُثير تساؤلات جدية حول النزاهة المنهجية للكاتب ، وإن لم يرتقِ للوسم بالكذب الصريح وهو ما لا يُتوقع من تلميذ الأستاذ محمود محمد طه، كما أشار الأستاذ بدر موسى في مقاله “ماذا دهى تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه؟!” في نقد الجزء الأول من هذه السلسلة.
يزعم المقال أن الحرب أشعلها حصراً “الإخوان المسلمون وجيشهم” (في إشارة إلى القوات المسلحة السودانية) بهدف القضاء على قوات الدعم السريع. ويُرجع الكاتب إشعال هذه الحرب إلى “تهوُّرٍ، وسوءِ تقديرٍ للعواقب” المعروف عن سائر تنظيمات الإخوان المسلمين، مستشهداً بما فعلته حماس في غزة. ويستنتج الكاتب أن “من حسن حظ البلاد، وكذلك من حسن حظ فرص التحول الديمقراطي فيها، أن هذه الحرب فشلت، منذ الوهلة الأولى، فشلاً ذريعًا، في تحقيق هدفها.” لكن على النقيض، تؤكد التحليلات المستقلة والمحايدة أن الصراع الذي اندلع في أبريل 2023 كان نتيجة طبيعية لتصاعد التوترات بين الفاعلين العسكريين المتنافسين، وهما الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بعد انهيار اتفاق تقاسم السلطة مع المدنيين الذي تم في 2019, والانقلاب العسكري الذي قاما به في عام 2021. وتوضح هذه التقارير أن اللحظة التي أشعلت الحرب (15 أبريل 2023) شهدت اتهام كل من قيادتي الجيش والدعم السريع للطرف الآخر بإطلاق الرصاص أولاً. إن الجذور الحقيقية للنزاع تكمن في صراع على الهيمنة السياسية والاقتصادية والمؤسسية، مدعومة بتأثيرات جيوسياسية خارجية.
إن الإصرار على تأطير الحرب كـ “مؤامرة إخوانية خالصة” يخدم غرضاً سياسياً واضحاً للكاتب. بصفته منتمياً ومدافعاً معروفاً عن التيار المناهض للإسلاميين في السودان، يسمح له هذا التبسيط بتحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، استغلال الشكوك الدولية تجاه الإسلام السياسي لتبرير أي عمل ضد الإسلاميين حتى وإن أدى إلى تدمير الدولة المناط بها احتكار السلاح. ثانياً، يوفر تبريراً أخلاقياً للدعم لقوات الدعم السريع كـ “خصم” للإسلاميين، بغض النظر عن سجلها العسكري أو جرائمها الموثقة. هذا التبسيط المتعمد يتجاهل ايضا طموحات قوات الدعم السريع الخاصة، والتي تسعى إلى الهيمنة على السلطة والثروة.
كما أن الإشارة إلى أن الحرب قد تجاوزت الآن “العامين والنصف” وصمود قوات الدعم السريع “رغم المباغتة الخبيثة التي واجهها بها الجيش الإخواني وكتائبه”، تُستخدم كدليل على فشل المخطط الإخواني في حسم المعركة سريعاً، ثم يقفز مباشرة من هذا الاستنتاج إلى أسطرة قوة الدعم السريع. وهو صدى لما قاله حميدتي (حين وصف مقاتليه بأنهم “ما بشر”)، في محاولة واضحة لأسطرة مقاتليه. يواصل الكاتب أسطرة هذه القوات بالادعاء أنها أكملت السيطرة على الخرطوم وأجبرت قوات الجيش على التراجع إلى مقارها، حيث اختفت تماماً “الدبابات والمدرعات التي كانت تجوب شوارع الخرطوم عند بداية الحرب”. ويزعم أن هؤلاء المقاتلين الأشداء قضوا على كل المتحركات المرسلة من الولايات. ويتغاضى الكاتب عن حقيقة أن مقار الجيش كانت محاصرة منذ بداية المعركة، وإن قائد الجيش كان” يختبئ في البدروم “_ كما كانت تقول قوات الدعم السريع، أما قائد الدعم فكان في الهواء الطلق من شجرة إلى شجرة يتحدث للقنوات الفضائية عن حصار القائد العام وعن قرب استلامه وتقديمه للمحاكمة.
وفي محاولة أكثر إثارة للجدل لتبرئة ساحة قوات الدعم السريع من الجرائم المدنية، ينسب الكاتب انتشار القوات داخل الأحياء السكنية الذي ساهم بشكل مباشر في اشتداد الحرب وانهيار الأمن المجتمعي إلى الاستخبارات والإخوان المسلمين. ويزعم أنه “عقب فشل كل محاولاتهم في إجهاض ثورة ديسمبر” توصلوا “إلى نتيجةٍ مفادها أنه لا فرصة لهم في العودة إلى السلطة، إلا إذا نسفوا أمن المواطنين نسفًا شاملاً”، وهو ما نفذه عميلهم “إبراهيم بقال”، فـ “فرّغ الخرطوم من سكانها ونسف أمنها”.
يصعّد الكاتب المؤامرة إلى مستوى أعلى، فيزعم أن هزائم قوات الدعم السريع (RSF) في الجزيرة وسنار ليست إخفاقات استراتيجية، بل “فخاخ استخباراتية” مدبرة. فأبو عاقلة كيكل—مثله مثل إبراهيم بقال— كان عميلاً استخباراتياً للجيش زُرع داخل قوات الدعم السريع لثلاثة أغراض: جر القوات لاحتلال ودمدني لإضعاف قبضتها في الخرطوم، وتوريطها في ارتكاب انتهاكات واسعة لتشويه سمعتها، والتسبب في مقتل القائد عبد الرحمن البيشي “واحدٍ من أشجع وأمهر قادتها _ فهم كثر، عبد الرحمن البيشي”.
على الرغم من أن تراجع الجيش من ود مدني أو انسحابه كان مخزياً وصادماً، فإن الكاتب يصفه بأنه “مسرحية” وهروب متعمد، إذ شوهد “في اليوم السابق قادة الجيش وكبار المسؤولين يستقلُّون طائرة هيلوكوبتر ويهربون من المدينة”. وهذا كله تم لإلصاق مسؤولية الفوضى بالدعم السريع. ويأتي هذا كله في مواصلة ل ما يصفه الكاتب ب “الخطة الإخوانية الشيطانية” التي ” انتقلت من الخرطوم إلى مدينة ود مدني وولاية الجزيرة المكتظة بالنازحين”، في سياق استراتيجية نسف الأمن المجتمعي ولتقضي على الثورة والثوار (جزاءً لهم بما اقترفوه من ذنب بالخروج عليها).
إن انشقاق كيكل وانضمامه إلى الجيش أتى في أكتوبر 2024، بعد قرابة عام كامل من احتلال الدعم السريع لود مدني الذي حدث في ديسمبر 2023. هذا الفارق الزمني الكبير يمكن أن يشير إلى أن تغيرات كثيرة حدثت في أرض الواقع، وربما تحالفات جديدة قد تكونت أو حتى ربما “استعان الجيش بمرتزقة من التقراي الإثيوبيين” كما أورد الكاتب في جزء آخر من المقال. لكن الكاتب يريد أن يضع العربة أمام الحصان ليسمح بحماية قيادة قوات الدعم السريع، وخاصة حميدتي، من المسؤولية عن التوسع المفرط والفشل اللوجستي الذي أدى إلى خسارة مناطق مثل الدندر وسنجة وجبل موية. وبدلاً من ذلك، يسعى لتحويل الإخفاق العسكري إلى “فخ استخباراتي” وقعت فيه نتيجة “الخديعة” ، وهو مواصلة في أسطرة هذه القوة العسكرية التي لا تُقهر.
الكاتب لا يتوقف عند مؤامرة سقوط ود مدني؛ فالعميل المزروع (أبو عاقلة كيكل) له مهام أخرى. فكان من مهامه أن ينشر ارتكازاتٍ لقوات الدعم السريع على مساحة شاسعة، بينما يقوم الجيش بتسليح المواطنين ودفعهم لمهاجمة هذه الارتكازات، مما يضطر هذه القوات للرد بأسلحة أقوى، بل مطاردتهم إلى داخل قراهم وإثارة الفوضى فيها. ويزعم أيضاً أن مجموعات من “الكسيبة” و”الشفشافة” (النهابين والسارقين) زُوّدوا بزي قوات الدعم السريع من قبل الاستخبارات العسكرية لتشويه صورتها. متغاضيًا عن حقيقة أن النهب، والعنف الجنسي، والتطهير العرقي هي أدوات منهجية تستخدمها قوات الدعم السريع بشهادة هيئات ومنظمات حقوقية بارزة كالأمم المتحدة والخارجية الأمريكية. إن محاولة الكاتب تحويل دور قوات الدعم السريع من ارتكاب المذابح إلى قوة ترد على استفزاز مدبّر هو تكتيك دعائي يهدف إلى إيجاد تعادل أخلاقي أو تبرئة من خلال اتهام الضحايا المدنيين بأنهم كانوا وقوداً لخطط العدو، وهي حجة يستخدمها المتحرشون حين يشيرون إلى لبس الضحية. من خلال عزو الفوضى إلى جهاز استخبارات الجيش المتخفي، يمكن للكاتب أن يحافظ على الرواية القائلة بأن قوات الدعم السريع هي القوة المنقذة الضحية، والتي تحارب “الشر الأعظم” المتمثل في الإسلاميين.
ينتقل الكاتب إلى مرحلة أخرى من نظرية المؤامرة، ويزعم أن الجيش لم يتمكن من استعادة مواقع مثل جبل موية إلا بعد تدخل الطيران المصري، مستشهدًا بأن الفريق الكباشي قد شكرهم باستخدام عبارة “شكرًا آوي آوي”، طالبًا بالرجوع إلى حديثه. لكن بالرجوع إلى تسجيل الفريق الكباشي، نجد أنه قال في مخاطبة جنوده: “مبسوطين أوي أوي” — وهي عبارة يمكن أن تُفهم في سياق المغايظة، خصوصًا أن قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، اتهم مصر بتنفيذ ضربات جوية أدت إلى هزيمة او انسحاب قواته في جبل مويه.
فهل حرّفها الكاتب عمدًا؟ أم أنها أتت سهوًا؟ أم كيف لمن لم يستطيع ان يحرّر الدندر إلا بعد الاستعانة بمرتزقة التقراي أن يهزم هذه القوة الأسطورية؟ أم أن الأمر جزء من سرد يهدف إلى نزع شرعية انتصارات الجيش؟ وهو ما يتحول لاحقا ليصبح ادعاء او اتهام للجيش باستخدام السلاح الكيماوي لهزيمة هذه القوات في الخرطوم. وتبنّي الكاتب لهذا الادعاء كحقيقة مؤكدة يعكس سعيه المستمر لتأكيد الصورة الإجرامية للجيش، وتحويل الهزيمة إلى انسحاب لقوات الدعم السريع.
إن هذا الانسحاب سوف يكون، بحسب الكاتب، نقطة الانقلاب. فيقول إنه بعد مضي سبعة أشهر من الانسحاب، ها هي عنقاء الدعم السريع تطل من الرماد، في إشارة إلى إعلان “تحالف تأسيس” الموالي لقوات الدعم السريع عن حكومته من مدينة نيالا، محولًا السيطرة العسكرية في دارفور إلى سردية تحريرٍ تاريخي وبداية مشروع الخلاص الذي أصبح “قاب قوسين أو أدنى” من تحرير الأبيض، بعد تحرير مدن أخرى عدَّدها الكاتب “في شمال كردفان بعد معارك ضارية” ، ولم ينسَ جنوب كردفان التي يسير فيها الزحف المقدس أيضًا. إن السحر قد انقلب على الساحر، والمخدوع قد تعلّم الدرس فلن يُخدع مرةً أخرى — أو كما قال الكاتب في بداية مقاله، مستشهدًا بالمثل الإنجليزي القديم.
ختامًا: إن إيراد الكاتب للحاجة إلى المنهج العلمي في معالجة قضية مثل “عدم انضباط الجنود”، يتناقض بشدة مع المنهجية المتبعة في مقاله ذاته. فقد بُني المقال برمته على الرفض المتعمد للأدلة الموثقة (مثل مسؤولية قوات الدعم السريع عن مجزرة ود النورة)، واعتناق سرديات مؤامرة غير قابلة للتصديق (مثل مؤامرة كيكل غير المتماسكة زمنيًا). هذا التناقض يشير إلى أن الكاتب يستخدم الدعوة إلى العلم كغطاء، بينما يعرض تحليلاً يفتقر إلى الرصانة العلمية ويخدم أغراضًا سياسية فورية.
إن هذا النمط من التحليل يمكن تفسيره من خلال افتراض وجود تنافر معرفي (Cognitive Dissonance) لدى الكاتب، حيث يتم رفض الأدلة المتضاربة أو تبريرها. فالكاتب مؤيد ثابت للإطار المناهض لنظام “الإخوان المسلمين”، ويرى أن القضاء على نفوذهم هو الهدف الأسمى. وعندما يواجه هذا الاعتقاد الأساسي بـ” الحقيقة غير المريحة” المتمثلة في الأدلة الواسعة على ارتكاب قوات الدعم السريع، التي يدعمها، لجرائم حرب ممنهجة، فإن هذا يخلق لديه حالة من الضيق النفسي والمعرفي. ولحل هذا التنافر، لا يغير الكاتب موقفه، بل يلجأ إلى آليات دفاعية: رفض الأدلة المتعارضة أو تبريرها من خلال إعادة إسنادها. وتتم عملية إعادة الإسناد هذه عبر اختلاق مؤامرة استخباراتية شاملة. فمن خلال الادعاء بأن جميع الجرائم والإخفاقات الاستراتيجية لقوات الدعم السريع (مثل النهب في الجزيرة، ومجزرة ود النورة، والانسحاب من سنار) كانت في الحقيقة أعمالًا مدبرة من قبل جهاز استخبارات الجيش (باستخدام كيكل، بقال، أو مسلحين متخفين)، يتمكن الكاتب من الحفاظ على الاعتقاد المركزي بأن قوات الدعم السريع هي “الضحية المنقذة” التي تحارب الشر الأعظم.
إن هذه السردية لا تعد مجرد تحليل خاطئ، بل دعاية مصممة للحفاظ على الجدوى السياسية لتحالف “تأسيس” بين النخب السودانية المدنية والمجتمع الدولي. فمن خلال تحويل المسؤولية عن جرائم الحرب، يحاول المقال تحويل الفشل العسكري الموثق والفظائع إلى “اضطهاد سياسي وأخلاقي”، بما يبرر استمرار الدعم لقوات الدعم السريع باعتبارها “البديل الوحيد المتبقي أمام عودة الإسلاميين”.
• د. النور حمد_ جرعةُ التضليلِ الأخيرة (3 – 4)_ https://sudanile.com/%d8%ac%d8%b1%d8%b9%d8%a9%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b6%d9%84%d9%8a%d9%84%d9%90-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9-3-4/
• بدر موسى _ ماذا دهى تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه؟!_ https://sudanile.com/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%af%d9%87%d9%89-%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%b0-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b7%d9%87%d8%9f/
glgala86@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم