المثقف والسياسي: دور الفكر في الثورات (٢-٤)

د. عمرو محمد عباس محجوب

كل ثورة كبرى كانت في جوهرها ليست مجرد انفجار غضب شعبي، بل ثمرة تفاعل بين الفكر والسياسة والواقع الاجتماعي. وسيوف أراجع دور الفكر في الثورات الفرنسية، الروسية، الإيرانية، والسودانية:

الثورة الفرنسية (1789) كانت الأفكار المؤسِّسة: فلسفة التنوير (فولتير، روسو، مونتسكيو، ديدرو) والمضمون الفكري: الحرية، المساواة، حقوق الإنسان، سيادة الشعب، العقد الاجتماعي والأثر: وفرت هذه الأفكار الأساس النظري لإسقاط الملكية المطلقة والإقطاع، وصياغة إعلان حقوق الإنسان والمواطن. اذن الفكر التنويري كان بمثابة الشرارة الفكرية التي منحت الثورة شرعية عقلانية وأفقًا عالميًا.

الثورة الروسية (1917): الأفكار المؤسِّسة: الماركسية (كارل ماركس، إنجلز)، والتطبيق اللينيني (الحزب الطليعي، ديكتاتورية البروليتاريا) والمضمون الفكري: إسقاط الرأسمالية والإقطاع، إقامة سلطة العمال والفلاحين، الأممية الاشتراكية. والأثر: الفكر الماركسي منح الثورة الروسية هوية أيديولوجية واضحة، وجعلها تبدو جزءًا من حركة عالمية لتغيير النظام الرأسمالي. الفكر الماركسي لم يكن مجرد خلفية، بل كان برنامج عمل مفصل قاد البلاشفة إلى السلطة.

الثورة الإيرانية (1979): الأفكار المؤسِّسة: الفكر الإسلامي الشيعي الثوري (علي شريعتي، الخميني، مطهري) والمضمون الفكري: مزج بين الإسلام السياسي (ولاية الفقيه) وأفكار التحرر من الاستبداد والإمبريالية والأثر: شريعتي مثّل الجسر بين الفكر الماركسي/التحرري والإسلام الشيعي، بينما الخميني أعطى الإطار الدستوري والسياسي (ولاية الفقيه). الفكر لعب دورًا تعبويًا وتحشيديًا، منح الثورة طابعًا دينيًا ثوريًا فريدًا.

الثورة السودانية (2018–2019): الأفكار المؤسِّسة: خليط من الفكر الديمقراطي المدني، النقد اليساري للإسلام السياسي، وأدبيات المقاومة الشعبية والمضمون الفكري: الحرية، السلام، العدالة، إسقاط نظام الإنقاذ (الإسلام السياسي) والأثر: لجان المقاومة صاغت شعاراتها من الفكر الديمقراطي التحرري، مع استلهام تجارب ثورات الربيع العربي، وإرث الحركة النقابية السودانية. الفكر كان هنا أقل تنظيرًا (مقارنة بالفرنسية أو الروسية)، وأكثر حضورًا في الشعارات والممارسات اليومية، مما أعطى الثورة طابعًا شعبيًا أفقيًا بدلًا من أيديولوجيا مركزية.

الفكر في الثورات الكبرى ليس ترفًا، بل هو محرك رئيسي يعطي الثورة معناها ويحدد مآلاتها. الفرق أن بعض الثورات كانت مؤدلجة بشكل صارم (روسيا، إيران)، بينما أخرى كانت فكرية الطابع ومرنة (فرنسا، السودان).

كلما كان للفكر برنامج سياسي منظم، كانت الثورة أكثر قدرة على بناء نظام بديل، بينما حين يظل الفكر في مستوى الشعارات العامة، تواجه الثورة صعوبة في تثبيت مشروع جديد. وهنا لابد من الإشارة ان المثقفين الذين دعوا وحضروا وعملوا للثورة انجزوا البرنامج الإسعافي لمدة عام، لكن مثقفي الارتباط بالخارج لم تقتنع بها ووصلت للسلطة وأملت برنامجاً تدويرا للبرامج التي دمرت السودان في تاريخه بعد الاستقلال.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …