المجلس الإستشاري لشرق السودان يطالب الوقف الفوري لأي اتفاقيات أو تفاهمات أو تعاقدات تتعلق بثروات شرق السودان المعدنية، وفي مقدمتها النحاس، إلى حين توقف الحرب وقيام سلام شامل يضمن الحقوق كاملة
بيان إلى:
سعادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي
ومعالي / رئيس مجلس الوزراء
سلام من شرق السودان من خاصرة الوطن الموجوعة، ومن صدره المثقل بالذهب والنحاس والحديد والكوبالت والفقر في آن معاً. سلام من أرض طالما مدت للوطن شرايين الخير، فلم تجد إلا القحط في حقها، والنسيان في أمرها، والغياب في صوتها. نرفع إليكم اليوم هذا البيان وهو ليس كسائر البيانات، إذ يأتي في ظل الوضع العصيب الذي تمر به البلاد، بل هو مرآة جرح وصوت ألم، وشاهد حق يرجو أن يوقظ ضمير الدولة قبل أن يضيع ما تبقى من أمانة الشرق في مهب النهب والعبث.
شرق السودان ليس تركةً تُقسم في غياب أهله
لقد بلغنا، وأدمى قلوبنا، أنَّ وزير المعادن سافر إلى جمهورية الصين الشعبية ليمنح مربعات تعدين النحاس في شرق السودان، ويُبرم في شأنها عقوداً مصيرية، دون أن يكون في البلاد مجلس تشريعي قومي يُصادق، ولا مجلس ولائي يُستشار، ولا أهل الشرق وسكانه الأصليون أنفسهم يُسألون! فكيف تقطع مثل هذه الالتزامات السيادية في غياب الشرعية الدستورية كاملة؟ وكيف يُستباح ثرى الشرق وأهله أحياء يُرزقون، كأنهم تركة غاب عنها الورثة؟ إنه لعب بالنار في هشيم اللادولة، ومجازفة بثروات الأجيال في مهب الحرب الأهلية والانهيار المؤسسي.
جراح الشرق شاهدٌ على النهب الممنهج
ألسنا نحن من رأى ذهب الشرق يتدفق عبر موانئه شاحنات وطائرات، إلى خزائن لا تعرف الرحمة، بينما بقيت أرضنا تنزف زئبقاً وسيانيد، وبقي أبناؤنا يموتون بأمراض التعدين الفتاكة؟ ألسنا من استباحته عصابات التهريب والمخدرات والنظم السياسية التي لا ترحم، وتدفقت على أرضه جحافل النازحين من صراعات الغرب الأفريقي حتى اضطرب نسيجنا الاجتماعي المحافظ، وتفشت الجريمة، واشتعلت الهشاشة الأمنية، وتحولت قرانا إلى بؤر للخوف بعد أن كانت منازل للأمان؟ والسودان كله شاهد هذه الاعتداءات لنهب الثروات. ألسنا من يشهد اليوم توترات قبلية تنذر باشتعال الإقليم، فإذا بكم تضيفون إلى جمر الصراع على الكلأ والماء جمراً جديداً هو الصراع على النحاس، في غياب أي حوكمة أو ترتيبات مجتمعية عادلة؟
إن التاريخ الأسود لتبديد ذهب الشرق لم يكن درساً عابراً، بل كان سفراً من الألم نعيد عليكم تلاوته اليوم، لنقول: كفى. إن إقليمنا لم يعد يحتمل المزيد من الكوارث البيئية التي لوثت المياه وأهلكت الماشية، وفتكت بالزرع والضرع. ولن يصمت شرق السودان حتى يُباع نحاسه كما بيع ذهبه، وتُكتب الصفقات في بكين بينما يُدفن أطفالنا في بطن الأرض التي سُرقت.
لا شرعية لاتفاق في غياب الشعب ومؤسساته
في ظل حرب طاحنة تمزق السودان، وفي ظل غياب المجلس التشريعي القومي، وعدم مصادقة أي سلطة منتخبة، وعدم الرجوع إلى المجالس الأهلية والأجسام الممثلة لأصحاب الأرض الحقيقيين، فإن أي اتفاقية تُبرم اليوم معدومة الشرعية القانونية والأخلاقية. إنكم توقعون على أوراق ستصبح وبالاً على السودان، وستُحمل الدولة المقبلة التزامات لا قبل لها بها، وستُورث الأجيال ديوناً وصراعات لا تُحصى.
نحن لا نعترض على التنمية، ولكننا نرفض أن تكون التنمية غطاءً للتبديد، ونرفض أن يكون الاستثمار باباً للنهب، ونرفض أن يُجرّد الشرق من قراره وثروته تحت ذريعة الدولة، بينما الدولة غائبة عن واجباتها… معدومة الخدمات صحية وحياتية، عاجزة عن حماية أهلها، متلكئة في إعادتهم إلى طاولة الحكم والموارد.
مطالبنا ليست رجاءً، بل استحقاق لا يقبل التأجيل
بناءً على ما تقدم، فإن المجلس الاستشاري لشرق السودان، وباسم مجتمعاته المكلومة في الولايات الثلاث، يرفع إلى مقامكم هذه المطالب الواضحة:
1. الوقف الفوري لأي اتفاقيات أو تفاهمات أو تعاقدات تتعلق بثروات شرق السودان المعدنية، وفي مقدمتها النحاس، إلى حين توقف الحرب وقيام سلام شامل يضمن الحقوق كاملة.
2. تجميد سفر أي وفود حكومية للتعاقد الخارجي بشأن ثروات الأقاليم، دون غطاء تشريعي ودون العودة لمجالس أهلينا.
3. اشتراط قيام المجلس التشريعي القومي والمجالس الولائية، كأساس لا غنى عنه لأي تصرف في الثروات القومية السيادية.
4. تحذير الشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية من التورط في اتفاقيات منقوصة الشرعية، تُعرّض استثماراتها للمخاطر، وتجعلها شريكاً في النهب الذي سيطالب به شعبنا يوماً.
5. إلزام الحكومة بإجراء دراسات أثر بيئي، اقتصادي، واجتماعي شفاف، تُشرك المجتمعات المحلية وبيوتات الخبرة العلمية والمهنية وتنشر نتائجها للرأي العام، قبل أي طرح استثماري مستقبلي.
استدركوا الشرق وأرضه قبل فوات الأوان
أيها السادة، إن الشرق لم يكن يوماً رافضاً للخير، ولا معطلاً للإعمار، لكنه كان وما زال رافضاً لأن يُحكم من وراء ظهره، وأن تُقسّم ثرواته بين غرف مغلقة، وأن يُساق إلى الفقر باسم الاستثمار. نحن نمد إليكم أيدينا بالحوار، لكننا نحمي بها أيضاً حق شعبنا، ولن نسكت عن باطل مهما بلغ شأن فاعليه. استدركوا الشرق أيها السادة قبل أن يضيع ما تبقى من عقد الثقة بين الدولة والمواطن. فإن بقاء السودان مرهون بعدالة توزيع ثرواته، وبقاء الشرق في حضن الوطن مرهون بإكرام أهله وإشراكهم في صنع مستقبلهم.
احفظوا الأمانة، وصونوا العهد، وكونوا للشرق درعاً لا سوطاً، وميزاناً لا سيفاً.
المجلس الاستشاري لشرق السودان
الثلاثاء، 23 يونيو 2026م
المجلس الإستشاري لشرق السودان يطالب الوقف الفوري لأي اتفاقيات أو تفاهمات أو تعاقدات تتعلق بثروات شرق السودان المعدنية
