المدن السودانية بين العراقة والمعاصرة

osmanyousif1@icloud.com
يرى المهتمون بالتاريخ الاجتماعي ان المدن عادةً تشكّل مختبرًا للتاريخ والحضارة؛ فهي ليست مجرد مساحات جغرافية، بل فضاءات تتقاطع فيها الذاكرة الجمعية مع ديناميات الحاضر. والمدن السودانية، بما تحمله من تنوع جغرافي وثقافي، تمثل نموذجًا غنيًا لفهم جدلية العلاقة بين العراقة والمعاصرة. هذا النص وما سوف يليه، قد كتب تعزيزاً للنمصة الاسبوعيه لنادي 81 للكتاب
على منصة زوم وكان موضوعه مدينة كوستي

العراقة: الذاكرة الحية للمدن:
إذا تأملنا في أم درمان كمثال، نجدها تختزن صورة المدينة التاريخية بامتياز؛ حيث نجد انها مدينة تتجسد فيها القيم الاجتماعية في مجالس الطيبين، والأسواق الشعبية التي ما زالت تحافظ على روحها التقليدية، والفنون التي ارتبطت بالوجدان السوداني منذ عقود. والخرطوم القديمة بدورها تُبرز ملامح الحقبة الاستعمارية وما بعدها من عمران وطرز معمارية ما تزال قائمة. أما كوستي كسلا وود مدني وعطبرة،وبقية مدن البلاد فلكل منها تاريخ خاص مرتبط بدورها في التجارة أو الزراعة أو النضال السياسي. هذه السمات ليست مجرد ماضٍ جامد، بل هي رأس مال رمزي يمنح المدن السودانية فرصة هويتها واستمراريتها..

المعاصرة: تحولات الحداثة وتحدياتها:
مع توسع المدن وازدياد الكثافة السكانية، فرضت المعاصرة نفسها على المشهد. الخرطوم اليوم تمتد بجسورها الجديدة وأحيائها العصرية ومراكزها التجارية، فيما تشهد بورتسودان حراكًا متزايدًا مرتبطًا بالنشاط الاقتصادي البحري. هذه التحولات تعكس حاجة السودان إلى الاندماج في اقتصاد عالمي سريع التغيّر. لكن المعاصرة هنا لم تكن دومًا سلسة؛ إذ رافقها ضعف في التخطيط الحضري وتفاوت في الخدمات الأساسية، مما جعل الحداثة أحيانًا تبدو مشوهة أو غير مكتملة.

جدلية التوازن: بين الهوية والحداثة:
المعضلة الجوهرية تكمن في كيفية إدارة هذا التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية للمدينة، وبين الانفتاح على متطلبات العصر. فالتوسع العمراني إذا لم يكن مرتبطًا برؤية ثقافية، قد يقود إلى طمس ذاكرة المكان. والعولمة، إذا لم تُفلتر محليًا، قد تهدد الخصوصية السودانية. ومن هنا تبرز أهمية السياسات الثقافية بالطبع، إضافية إلى التخطيط الحضري الواعي، حتى لا تتحول المدن إلى مجرد كتل إسمنتية بلا روح.

نحو رؤية مستقبلية:
المدن السودانية، في حقيقتها، تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تستثمر في تاريخها الغني لتصوغ نموذجًا حضاريًا متفردًا يوازن بين التراث والحداثة، أو أن تنجرف في دوامة التقليد غير المدروس للمدن الأخرى. والرهان الأكبر يظل في قدرة السودانيين على إعادة تعريف مدنهم باعتبارها فضاءات للعيش الكريم، وحاضنات للتنوع، وجسورًا تربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

وخيراً فعلت جماعة ناد 81 للكتاب باختيارها
لمدينة عريقة تحتضن شاطيء النيل الابيض
عند عبوره من الجنوب في رحلته للشمال..
وفي المقال التالي سوف نعرض لكم بعض من المعلومات التي اودها مؤلف الكتاب الذي نوقش في حينه..

عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

رفيقتي سبب الوجع

osmanyousif1@icloud.comواصل الحكاية من فصلين وأغرب رواية، هى رحلتي من كارديف للندن وبالعكس دحينتعالو عازمكم نكد، …