المسئول ومواكب الحمقى: قصة قصيرة .. بقلم: ناجي شريف بابكر

يتضجر أحيانا حينما تطارده الهواجس اللعينة وتؤرقه تلك القوالب القاسية التي وجد نفسه ولزمن طويل مصلوباً عليها دون إرادته.. ولدهشته لم يحدث يوما أن رغب في التمرد علي ذلك الصليب الذي يشد علي ظهره.. فلم يكن في مخيلته ذلك الزمان غير الخواطر الثورية والمعاناة .. كان الحرمان يحاصره من أطرافه ويشد علي ناصيته.
.
كانت الأسرة بالكاد تدبر ما يقيم أودها حتي تضمن قوت الصغار علي الأقل حتي مغيب الشمس لكل يوم علي حده. سئمت أمه التعاسة وشظف العيش، وأعباء المنزل التي لا تنقضي، فهجرتهم لتعود إلي ديار أبيها في الناحية الأخري من النهر. فشبوا في غيابها، بقلوب قاسية، كجِراءٍ وضيعه، أرضعتها ذئاب برية فتاكة، فصارت طباعها شتي تراوح ما بين الداجن منها والضاري.. 
.
إثنان من أخوته الثلاثة إنتهي بهما المطاف في السجن العمومي لجنح جنياها شملت السطو الليلي وإحداث الأذي الجسيم.. أما هو فقد تصادف أن وجد نفسه جزءا من طائفة منغلقة أجبرته علي إستقامة نسبية حرجة، وجعلته يتصالح في موضعٍ زلقٍ ما بين بؤسه وطموحاته الجائرة.. كان يبدو وديعا للآخرين، رغم أن نزوات قاسية كانت تأخذ بتلابيبه من الداخل، وأنه في الأيام الأخيرة، بالأخص بعد ما تقلد مسؤوليات منصبه الجديد، صار بالكاد يتحكم في جوارحه، إذ تدفعه أحيانا رغبة شيطانية جامحة في أن ينشب أظفاره فيمن حوله من المارة.. طالما أحس بأن تغييرا شديدا مثل ذلك يعتريه، وتسري فيه قشعريرة تجعل الشعر ينتصب في رأسه وسائر الجسد منه، فيصير أشبه ما يكون بالمستذئب، يري ذلك  من خلال توتر مرافقيه وأصدقائه المقربين..  حتي أن “طارق” سائقه وحارسه الشخصي ذو البنية القوية، والذي طالما لازمه في حله وترحاله، كثيرا ماكان يصارحه 
– يا سعادتك أحيانا كثيرة يخامرني شعور بأنك عدائي أكثر مما ينبغي.. حتي أن عينيك تجحظان فجأة، ويغلب عليهما اللون القاني، دون أن يرافق ذلك إستفزاز يذكر ممن هم حولك.. ربما تحتاج أن تعاود أحد المعالجين من الجن.
.
إجتاحته كل هاتيك الخواطر والذكريات .. فلعن تلك الأيام وذلك الصليب القاسي الذي مازال معلقا علي كتفيه، آثار نتوءاته مرسومة كجراح غائرة في الكتفين وفي أسفل الظهر منه.. حتي أن أصابع “عاتكة” العابثة كانت كثيرا ما تتعثر بتلك الندوب، وكم كان السؤال يعكّر عليهما صفو لياليهما الدافئة.
.
– تبا.. لماذا يتعنت هذا الكلب ولا يدع لنا الطريق.. لماذا لا ينسحب بسيارته الصدئة قليلا إلي اليمين.. يطلق بوقا عاليا كصوت عربة الدورية، ثم يسلط المصابيح الغازية فتسطع الأضواء الباهرة كالبروق في عيون سائقي السيارات السالكة من الإتجاه المعاكس .. فتنطلق الكوابح واللعنات .. -يالكم من حمقي ومغفلون..  فجاة تنسحب من أمامه جميع السيارات بعد أن تعذرت الرؤية، من فرط الأضواء، علي سائقيها، مفسحة المجال لتنطلق العربة اللاندكروزر 6000 سي سي كالوحش بسرعة خارقة كأنها تشطر الطريق إلي نصفين.
.
الحمد لله لم يصادف ذلك المعتوه عبور أمرأة أو طفل .. لا يهم فبإمكانه ترك الأمر إلي سائقه برتبته العسكرية، فبإستطاعة هذا المارد المفتول العضلات، الذي يقبع من خلف عجلة القيادة من أمامه، تسوية كل شئ، حتي لو إستدعي الأمر إطلاق الرصاص وإيقاع ضحية ثانية أو ثالثة من بين أولئك البؤساء.. إذا ما حاول أحد الحمقي إخراج الأمر عن سياقه، فقد إمتلأت العاصمة بالمخربين في الإيام الأخيرة.
.
هؤلاء العوام من المارة وأصحاب السيارات المهترئة يشكلون عقبة يومية في الطريق في خروجه وعودته، فعادة ما ينطلق سالكا شارع الأسفلت الذي يبدأ من باب منزله حتي محطة البلابل.. لكن الشارع لا يخلو يوميا ولو للحظة واحدة من المتسكعين.
-لا تتوقف ياطارق ليس لدي ما يكفي من الوقت .. يلزمني الخروج مرة أخري في هذا المساء، لا بد أن تعلم أن الوقت لدي أقيم بكثير من أن أضيعه كي أدع الطريق لمرور واحد من هؤلاء التعساء.. لولا أننا هناك نعمل ليل نهار علي حمايتهم لماتوا كالأنعام ..تبا لهم.. 
يشد ظهره إلي المقعد من جديد حينما تعاوده الآلام من إحتكاك تلك الندب والقروح التالدة بمقعد السيارة الوثير، فتسيطر عليه ذكريات الصليب وآلامه مرة أخري.. يا للعنة كيف يمكنه التخلص من حطام تلك الأيام البائسات.     
(إنتهي)
nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً