عاطف عبدالله
تنويه
في إطار احتفاءات الحزب الشيوعي السوداني بذكرى تأسيسه، أعيد نشر هذا المقال، استحضاراً لصفحات من تاريخ الحزب، ولتلك المواقف التي جسّد فيها أعضاؤه معنى الصمود والشجاعة والتمسك بالكرامة، حتى في أحلك الظروف.
المواجهة في نهار صيف ساخن
المكان: حوش “السرايا” بالسجن العمومي “كوبر”، بمدينة الخرطوم بحري.
الزمان: الأربعاء 18 أغسطس 1971.
خارج الأسوار، كان الجو مغبراً، والوجوه مكفهرة، تلفها الحيرة في أعقاب ردة 22 يوليو. وداخل الأسوار، كانت دماء الرفاق الذين استشهدوا في معسكر الشجرة لا تزال رطبة، فيما ظل صدى هتاف عبد الخالق وهو يخطو نحو المشنقة يتردد في الآذان: “المجد لشعب السودان… عاش نضال الحزب الشيوعي!”. في ذلك المكان الضيق، كان مئات المعتقلين السياسيين الذين زُجَّ بهم في السجن يلتحفون السماء، ويتوسدون الأرض والأركان، يمضغون وجع الهزيمة وطعم الكآبة، ولا يلوذون إلا بالصمت والحزن النبيل.
وقبل الدخول في تفاصيل ذلك الأربعاء الكالح، نستمع إلى رواية أحد أبطال تلك الملحمة، الأستاذ خليل إلياس، تغمده الله بواسع رحمته، كما أوردها في كتابه “كوبرهاجن”، …
“في صباح الثامن عشر من أغسطس 1971م، أفقنا على جلبة غير عادية في السجن. ازداد عدد «المنتظرين» بصورة لافتة، وراحوا ينظفون حوش السرايا والعنابر باهتمام يثير الدهشة. كنا ندرك في مثل هذه الأحوال أن مدير السجون سيقوم بتفقد المكان، إلا أن الأمر ازداد غموضاً بدخول مجموعة من الضباط وضباط الصف، وكان بينهم العم شاويش “لوج”، وهو من أبناء جنوب كردفان. لا يُذكر سجن كوبر إلا مقترناً به؛ فقد كان رجلاً حكيماً رقيق القلب، يمتلئ وجدانه بالعطف والإشفاق على المعتقلين، وينفذ الأوامر بمرونة ترضي الإدارة ولا تضر بالنزلاء.
دنوت منه مستفسراً عما يجري، فأخذني جانباً ليقول لي بحكمته المعهودة:
- يا ولدي، لما البليلة تكون في النار ما تدخلوا أيدكم فيها.. خلوها لمن تبرد. الليلة الزول دا جاييكم، خليكم ناس عاقلين وما تسووا عوجة، والله يرفع ما خت.. باكر كله يروح وتبقى حكاوي.
اجتمع المكتب القائد (قدامى الشيوعيين الذين عركتهم حياة السجون والمعتقلات)، وأكد أن زيارة النميري، في هذه الظروف، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من مجزرة الشجرة، لن تكون زيارة ودية بأي حال. ووجّه المعتقلين، خاصة الشباب والطلاب، بالتحلي بالهدوء وعدم الاستجابة لأي استفزاز. كما تم الاتفاق على أربعة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ليكونوا في مواجهة النميري، لأن هويتهم السياسية معروفة لديه، وهم: عبد المجيد شكاك، حسن قسم السيد، سعودي دراج، وصلاح مازري”.
تحلقت الصقور الحوامة في الجو، تنذر بمصيبة.
وما إن أُخرج المعتقلون من العنابر إلى حوش السرايا، حتى تعالت فجأة الصيحات ووقع الأقدام التي هزت الأرض. اقتحمت ساحة السجن مجموعة من جنود سلاح المظلات، بكامل عتادهم الحربي، وكأنهم في قلب معركة. ملأوا المكان بصيحاتهم وقرقعة أسلحتهم، ووسط تلك الضجة هبط كالمارد في وسط الساحة أبو القاسم أحمد إبراهيم، ممسكاً برشاش «ستيرلنغ» البريطاني، وهو يزبد بشتائمه وبذاءاته المعهودة، ويداه تقطران دماً، إذ كانتا لا تزالان ملوثتين بدماء الشهيدين الشفيع وجوزيف.
وقبل أن يستوعب المعتقلون ما يجري، كان جيش آخر من جنود المظلات يطوق المكان فوق سور السجن، بينما ولجت الساحة مجموعة أخرى من الحرس والجنود، يتوسطهم جعفر نميري، وملابسه العسكرية ملطخة بدماء شهداء معسكر الشجرة.
أخذ الجنود يشهرون أسلحتهم نحو صدور المعتقلين، بينما أخذ النميري يسب ويلعن بألفاظ بذيئة. تسرب الخوف ببطء إلى القلوب الواجفة؛ فبعض هؤلاء المعتقلين زُجَّ بهم إلى السجن لأسباب واهية، وما شهدوه في هذا المكان من مشانق وأعمال قتل وحشية لا تزال صوره تتراءى للجميع. كان الموت والحياة هنا يفصل بينهما خيط واهٍ.
الحزن يصارع الغضب، وشبح الموت يطوف حول المكان. فأي أرواح سيقبضها الليل؟
أبو القاسم يطلق السباب، ويده على سلاحه، والنميري يصرخ بحقد وبربرية، ويده على زناد مسدسه.
ثم يأتي الامتحان الأخير.
كرامة الرجال تُختبر.
نميري يتحدى؛ بالأحرى، الملك النمرود الكنعاني يتحدى، والويل للعقلاء حين تتجمع السلطة والبطش في يد جاهل مغرور.
“أنا ربكم الأعلى. فليبرز لي من بينكم نبي ليجادلني، فلتأتوا لي بإبراهيمكم كي يسلبني جبروتي وحقي في أن أحيي وأميت. من يملك غيري الآن أن يحيي ويميت؟”
ما العمل؟
حتى الشمس هنا لا شرق لمشرقها ولا غرب لغروبها، حيث المكان يخاصم الفصول، وحيث الموت يقف على مرمى خطوة.
كان الامتحان قاسياً، قسوة ذلك النهار الحار.
رفع النميري صوته:
- “الشيوعي الفيكم كان راجل يطلع لي برة!”
ساد الصمت.
سور عالٍ، وهاوية سحيقة، والموت أقرب من طرفة عين.
ثم واصل الطاغية:
- “كانوا رجال وعاملين فيها شيوعيين.. أطلعوا لي برة يا…”
ومن خلفه جاء صوت أبي القاسم، مكملاً بالشتائم:
- “أولاد………..”
وقبل أن يكملا، انبرى لهما أحد المعتقلين، وقال بصوت مسموع:
- صلاح مازري. عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.
وتقدم إلى الجهة التي أشار إليها النميري، غير عابئ بالموت.
فبهت الذي طغى وتجبر.
وقبل أن يفيق من دهشته، علا صوت إبراهيم آخر من بين الصفوف:
- سعودي دراج عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
وتقدم سعودي دراج، لينضم إلى رفيقه المهندس صلاح مازري.
ثم تتابعت الأصوات، واحدة تلو الأخرى، بشجاعة ونبل:
- حسن قسم السيد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
- عبد المجيد النور شكاك عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
- الحاج عبد الرحمن عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
- الرشيد نايل عضو للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
- مصطفى أحمد الشيخ عضو الحزب الشيوعي السوداني
- محمد خلف الله عضو الحزب الشيوعي السوداني
- عوض الصافي عضو الحزب الشيوعي السوداني
- عوض شرف الدين عضو الحزب الشيوعي السوداني
- إبراهيم الشيخ عضو الحزب الشيوعي السوداني
- خليل الياس عضو الحزب الشيوعي السوداني
- …………………………
- ……………………..
- ………………….
- ……………..
وتدافع العشرات إلى الناحية ذاتها.
بعضهم ديمقراطيين وبعضهم لم تربطه علاقة بالحزب الشيوعي إلا خلف تلك الجدران السميكة، اختاروا الموت بشرف، حملوا أعناقهم على أكفهم وتوشحوا أكفانهم ضاربين عرض الحائط بغريزة البقاء فكانوا أشجع ما يمكن أن يكون في ضروب البسالة والصمود حيث لم يعد الأمر متعلقاً بأسماء أفراد، أو انتماء حزبي، كان الأمر أكبر من كل ذلك، موقف رجال أدركوا أن الموت صار أمامهم، فاختاروا أن يتقدموا إليه بدلاً من أن ينتظروا أن يأتي إليهم.
ألجمت الشجاعة الطاغية ومعاونيه. وخرج النميري ومن معه من حوش السرايا، أذلاء منكسي الرؤوس، بينما بقي أولئك الرجال في مكانهم، وقد واجهوا الموت واقفين.
وهكذا بقي ذلك النهار الصيفي الحار في ذاكرة سجن كوبر؛ يوماً وقف فيه رجال عُزَّل في مواجهة سلطة مدججة بالسلاح، وفي مواجهة الموت نفسه، وقالوا بالفعل لا بالكلمات:
إن الإنسان قد يُسلب حريته، وقد يُلقى به في السجن، وقد يُحاصر بالسلاح، لكنه لا يُهزم ما دام قادراً على أن يختار كيف يقف في وجه الموت.
atifgassim@gmail.com
