الناجون من الفاشر: المعاناة ممتدة من جحيم الحرب إلى مخيمات المزوح

منتدى الإعلام السوداني: العفاض، 14 مارس 2026 (سودان تربيون)- وطئت الحرب في الفاشر، بولاية شمال دارفور، على حياة “مشكاة” ذات الثماني سنوات، وحولت أسرتها إلى قتلى وجرحى ونازحين فروا لمسافة 1200 كيلومتر، نجوا خلالها من الأهوال والانتهاكات.
قلبت معارك الفاشر حياة مشكاة رأسا على عقب، وأخذت منها والدتها وإثنين من إخوتها، وخاضت الطفلة رحلة للنجاة انتهت بها في عالم جديد تستكشفه بخوف، في خيمة بمخيم العفاض للنازحين في الولاية الشمالية، شمال السودان.
تعد قصة مشكاة واحدة من مأساة آلاف الأطفال الذين وقعوا ضحايا الصراع المسلح بين الجيش والدعم السريع في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد أن حاصرت قوات الدعم السريع المدينة بكل ما أوتيت من قوة وعتاد حربي، قبل أن تتمكن من السيطرة عليها في أواخر أكتوبر الماضي، لتمارس جميع الانتهاكات، وشملت القتل والنهب والاغتصاب والاعتقال التعسفي ضد النساء والأطفال وكبار السن.

الموت في كل مكان

يقول محيي الدين، والد الطفلة مشكاة، لـ”سودان تربيون” ودموعه منهمرة “في مطلع أبريل 2025 فقدت زوجتي جراء قصف الدعم السريع لمنزلنا، وبعد شهر، تعرض ابني الأكبر، ذو الـ12 عاماً، لبتر في ساقه بذات المدفع الذي قتل والدته”.
ويتابع قائلا: “شعرت وقتها بثقل المسؤولية لحماية من تبقى من أطفالي الأربعة الذين ما زالوا على قيد الحياة، من بينهم مشكاة، وهي أصغرهم، فقررنا الرحيل إلى مبان محصنة داخل جامعة أم درمان الإسلامية بالفاشر، محاولين الاحتماء من القصف المكثف الذي ازداد في الأيام الأخيرة قبل سقوط المدينة بشهر”.
وأضاف: “مكثنا بضعة أيام في المكان الذي اعتبرناه ملاذا لنا، لكن مسيرة استراتيجية تتبع للدعم السريع قصفت المبنى، وفقدت اثنين من أبنائي، ضمن مدنيين آخرين لجأوا معنا بحثاً عن الأمان”.
ويقول محيي الدين إن الأمر كان مرعباً والجميع يصرخ بعد أن تناثرت الجثث وعمت رائحة الدم المكان، وكان ذلك قبل سقوط المدينة بأيام، وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة بدأنا الخروج في شكل مجموعات.

دهس بالسيارات

يصف محيي الدين أهوال ما تعرضوا له من سحل وتنكيل وإطلاق نار أثناء خروجهم من شرق المدينة، ويقول “تم توقيفنا في أرض منبسطة ثم تصويرنا في فيديوهات مباشرة “لايف” وبعد التصوير بدأوا في دهس مواطنين بالسيارات القتالية وقتلوا العشرات منهم في الحال، وبسرعة حاولت أنقاذ مشكاة من السحل وحملتها مع ابني المصاب حتى ينجوا من الموت، ورغم ذلك لم يتركونا بل أطلقوا علينا وابلا من الرصاص من الخلف حيث استقرت رصاصة في ظهري، لم تخرج حتى اليوم، ونجوت من الموت بأعجوبة.

آثار نفسية

ويواصل محيي الدين سرد مأساته ليضيف أنه، ومنذ ذلك الوقت، أصيبت مشكاة بالصدمة ولم تستطع الكلام حتى وصولنا إلى مخيم العفاض بعد رحل طويلة، وعقب الوصول إلى المخيم، وُضعت مشكاة تحت الرعاية النفسية بعد أن فقدت قدرتها على الكلام لأكثر من شهر نتيجة الصدمة النفسية العميقة.
ويذكر والد مشكاة أن ابنته بدأت تتعافى لكنها ما زالت مصابة بالنوبات الليلية وهي الآن أفضل من أي وقت مضى- حسب تعبيره.
مشكاة ليست الوحيدة التي تعاني من آثار ما بعد الصدمة، فهناك مئات الأطفال الذين لم يتلقوا الرعاية الصحية اللازمة للتعافي مما عايشوه من قتل واختطاف على يد قوات الدعم السريع، وهي انتهاكات وثقها الجنود بكاميرات هواتفهم.

صعوبة العلاج النفسي

وتقول مصادر طبية في مخيم العفاض لـ”سودان تربيون”- غير مخول لها بالحديث- إن الحالة النفسية للأطفال مثل مشكاة شديدة التعقيد لأن فقدان الأهل ومشاهدة موت الأشقاء والبقاء على قيد الحياة وسط العنف المسلح ترك أثراً نفسياً كبيراً يصعب تجاوزه بدون دعم متخصص.
وهذا ما أكده الطبيب محمد إسماعيل الذي يعمل في عيادة الهلال الأحمر القطري داخل المخيم، بقوله لـ”سودان تربيون” إن المخيم يستقبل يومياً عددا كبيرا من الحالات النفسية من أطفال ونساء تعرضوا للعنف، بما في ذلك حالات اغتصاب قاصرات، مبيناً أنهم يقدمون برنامجا علاجياً نفسياً مكثفاً لمساعدة الناجين على استعادة عافيتهم، مشيراً إلى أن حجم الصدمات كبير للغاية داخل المخيم، حيث يعاني نحو ألفي نازح من اضطرابات نفسية جميعها بحاجة لرعاية مستمرة.
في المقابل يقول أحد موظفي منظمة إغاثة دولية- فضل حجب اسمه- إن حالات الأطفال المصابين بآثار الصدمة وفقدان السند كثيرة، مضيفاً أن معالجة هذه الحالات تتطلب وقتاً طويلًا وبرامج متخصصة، مع التركيز على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال النازحين، وهو ما لم يتوفر حتى الآن بالشكل المطلوب.

مسنة في بحر الأحزان

داخل خيمة في الجزء الجنوبي الشرقي من مخيم العفاض جلست خديجة ذات الـ (73) عاماً، يعتصرها الحزن والوجع رغم إطراقها في الأرض والمسبحة بين يديها وهي تهمهم ببغض الأذكار لعلها تلهمها صبرا بعد أن فقدت ثلاثة من أبنائها في جحيم الفاشر، وهم يهمون بمغادرة المدينة لحظة اجتياحها من قبل قوات الدعم السريع.
أحد ابنائها توفي بالقصف واثنان آخران اقتيدا إلى مكان مجهول، لم تعرف عنهم شيئاً حتى وقت لاحق، حين أخبرتها ابنتها “تيسير” بأنها شاهدتهما في مقطع فيديو على الإنترنت أثناء الاحتجاز.
تقول خديجة لـ”سودان تربيون” إن أحد أبنائها مات داخل المعتقل جراء الجوع والكوليرا، بينما ما زال مصير الآخر مجهولاً.
تلقت خديجة نبأ وفاة ابنها الثاني بعد يوم واحد من وصولها إلى مدينة (الدبة) بالولاية الشمالية وهي بعد لم تأخذ قسطا كافيا من الراحة بعد رحلة أعيت جسدها النحيل.
وتؤكد أن ابنها الأكبر ترك أربعة أطفال بلا عائل بعد وفاته، وهم الآن برفقة والدتهم بمنطقة (طويلة) نحو 60 كيلومتر غرب الفاشر.

تحديات البقاء

إلى جانب فقدان الأسر النازحة من الفاشر إلى مخيم العفاض لأعزاء قتلوا خلال المعارك أو رحلة الفرار من دارفور، تبرز محنة أخرى أكثر إيلاما، وهي قصص المختفين قسريا والأسرى والمفقودين والأسر التي تشتت شملها ما بين الفاشر وطويلة وجبل مرة والعفاض بشمال السودان.
ويقول النازح “م ع” لسودان تربيون إنه اضطر لمفارقة شقيقه عند قرية (قرني) القريبة من الفاشر حيث اختار شقيقه الذهاب إلى (طويلة)، بينما اختار هو النزوح مع أطفاله إلى شمال السودان.
وينوه إلى تواصله من حين لإلى آخر مع شقيقه في طويلة للاستفسار عن مصير شقيق ثالث مفقود منذ اجتياح الدعم السريع للفاشر، قائلا “نأمل أن نعرف مصيره حتى يرتاح بالنا ونتوقف عن التفكير في حاله ومآله”.
قصة هذا النازح ومأساة مشكاة وخديجة تمثل رأس جبل جليدي لآلاف القصص الإنسانية التي لم ترو بعد، للمدنيين الذين فروا من الفاشر أو فقدوا أبناءهم على يد الدعم السريع، إما بالقصف المتعمد أو بالقتل المباشر، حيث يعيش الآن أكثر من 25 ألف في مخيم العفاض بشمال السودان ويواجهون تحديات البقاء رغم الصعوبات النفسية والمعيشية، وفقا لما أكده رئيس مخيم العفاض، رامي عبد الرحيم.
ويؤكد عبد الرحيم لـ”سودان تربيون”، أن مخيم العفاض يستضيف 25800 شخص من النازحين الفارين من دارفور بعد سقوط الفاشر على يد الدعم السريع، موضحا أن توافد عشرات الآلاف إلى محلية الدبة، سواء في المخيم أو داخل مدينة الدبة، يجعل النازحين ضحية ظروف إنسانية وصحية حرجة برغم الجهود الكبيرة المبذولة لتوفير خدمات الإيواء والغذاء والعلاج.
وتظل روايات الناجين من محرقة الفاشر شاهدة على حجم المعاناة الإنسانية للنازحين من مدينة الفاشر بشمال دارفور، ما يجعل الحاجة ملحة لتدخلات إنسانية ودعم نفسي واجتماعي مستدام للناجين، خصوصاً الأطفال، الذين تحملوا أعباء الحرب.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (سودان تربيون). تذكرنا المادة بالمأساة المستمرة التي خلفتها المعارك التي انتهت إلى سقوط الفاشر على يد قوات الدعم السريع، إذ ما زال أكثر من 25 ألف نازح، من بينهم أطفال ونساء، يواجهون ظروفا إنسانية صعبة في مخيم العفاض فقط.
تعكس المادة حجم المعاناة الإنسانية المتفاقم ما يجعل الحاجة ملحة للتدخلات العاجلة بالدعم النفسي والاجتماعي للناجين، خصوصاً الأطفال منهم، الذين تحملوا أعباء الحرب، وما يزالوا.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

النيل الأزرق تحت النيران … جبهة تشتعل وأزمة إنسانية تتفاقم

منتدى الإعلام السوداني: النيل الأزرق، 4 مارس 2026، (جريدة الجريدة) – على أطراف مدينة الدمازين، …