النزاهة الأكاديمية وحوكمة السجلات: بين أخلاقيات المنصب وحدود المؤسسة

بقلم د. عزيز سليمان أستاذ السياسة والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com

لم تعد السجلات الأكاديمية في الجامعات الحديثة مجرد أدوات إدارية لحفظ بيانات الطلاب، بل غدت أحد أهم مرتكزات السيادة المؤسسية في التعليم العالي. فالسجل الأكاديمي هو المصدر الوحيد لإنتاج “الحقيقة الأكاديمية” التي تُبنى عليها الشهادات، والاعتماد، والسمعة العلمية محليًا وإقليميًا ودوليًا. ومن ثمّ، فإن أي اختلال في سلامته لا يُعد خللًا إداريًا عابرًا، بل مساسًا مباشرًا بشرعية المؤسسة التعليمية ومكانتها الرمزية والمعرفية.
تُظهر الخبرات المقارنة في نظم التعليم العالي أن أخطر أشكال تزوير الشهادات لا تتم عبر التزوير الورقي الخارجي، بل عبر تدخلات داخلية في السجلات وملفات الطلاب، مستفيدة من ثغرات إجرائية، أو من تركّز الصلاحيات، أو من ضعف أنظمة التدقيق والمتابعة. ويكمن جوهر الخطورة هنا في أن التلاعب الداخلي يُنتج مخرجات “صحيحة شكليًا” لكنها فاسدة مضمونًا، ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا وأثرها أكثر تدميرًا.
وتتخذ هذه التدخلات الداخلية أنماطًا متعددة، من أبرزها التعديل غير المشروع للدرجات بعد اعتمادها رسميًا، أو إعادة تشكيل المسار الأكاديمي بإضافة مقررات أو حذفها بما يوحي باستيفاء متطلبات لم تُنجز فعليًا. كما تشمل إنشاء ملفات طلابية وهمية أو إعادة تفعيل ملفات أُغلقت قانونيًا، إضافة إلى التلاعب بحالة القيد أو التخرج دون مسوغ أكاديمي. ويُضاف إلى ذلك استغلال الصلاحيات الإدارية المفرطة، حيث يتيح الوصول الواسع غير المقيّد تجاوز الضوابط دون ترك أثر تدقيقي واضح.
ولا تعكس هذه الممارسات، في جوهرها، فسادًا فرديًا فحسب، بل تشير إلى خلل بنيوي في تصميم النظام المؤسسي نفسه. فالمؤسسة التي تسمح بحدوث مثل هذه الأفعال، أو تعجز عن اكتشافها في الزمن المناسب، هي مؤسسة تعاني ضعفًا في الحوكمة قبل أن تعاني انحرافًا في السلوك.
ولهذا، تؤكد الأدبيات الحديثة في حوكمة التعليم العالي أن حماية السجلات الأكاديمية لا يمكن أن تقوم على الثقة بالأفراد وحدها، مهما بلغت نزاهتهم، بل يجب أن تُبنى على هندسة مؤسسية تجعل التلاعب عالي الكلفة، محدود الجدوى، وسريع الاكتشاف. ويتحقق ذلك عبر فصل الصلاحيات وتجزئتها تقنيًا، بما يمنع احتكار دورة الإدخال والاعتماد والتعديل من قبل جهة واحدة، وعبر اعتماد سجلات تدقيق دائمة وغير قابلة للمحو توثّق كل تغيير بزمنه وفاعله ومسوغه.
كما تتطلب الحماية الفعّالة اعتماد موافقات ثنائية إلزامية للتعديلات الحساسة، خصوصًا ما يتعلق بالدرجات، والحالة الأكاديمية، ومتطلبات التخرج، إلى جانب الربط الآلي بين السجل الأكاديمي وأنظمة القبول والامتحانات، بما يحدّ من إمكان التعديل المنفصل عن الوقائع التعليمية الفعلية. وتكتمل هذه المنظومة بمراجعات مستقلة واختبارات دورية للصلاحيات والإجراءات، لا للأنظمة التقنية وحدها.
في هذا الإطار، تكتسب استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم دلالة تتجاوز بعدها الشخصي أو الإداري. فهي تعبّر عن توتر عميق بين منطق أخلاقي تخصصي يرى في حماية السجل الأكاديمي التزامًا مهنيًا غير قابل للمساومة، ومنطق مؤسسي إجرائي يميل إلى الدفاع عن سلامة الإجراءات القائمة وغياب الإثبات القاطع على وقوع التزوير. هذا التوتر ليس استثنائيًا، بل يتكرر في مؤسسات أكاديمية عريقة عندما تواجه مخاطر غير تقليدية في سياقات استثنائية.
أما ردّ الجامعة، فعلى الرغم من ارتكازه على تاريخ مؤسسي طويل وصرامة إجرائية معروفة، فإنه يعكس مقاربة دفاعية تُعلي من منطق النفي القانوني وحماية السمعة، أكثر من انخراطها في نقاش حوكمي معمّق حول احتمالات الاختراق، وحدود الصلاحيات، ومآلات التحول الرقمي في إدارة السجلات. وهنا تبرز أهمية التخصصية، إذ إن قضايا من هذا النوع لا تُدار بخطاب عام أو إنشائي، بل تتطلب معرفة دقيقة بتقاطعات الإدارة الأكاديمية، وأمن المعلومات، وأخلاقيات الوظيفة العامة.
إن الخلاف الذي أفرزته هذه الاستقالة لا يمكن اختزاله في ثنائية الاتهام والنفي، بل ينبغي قراءته بوصفه إشارة إنذار بنيوية تستدعي إعادة التفكير في حوكمة السجلات الأكاديمية، لا سيما في الجامعات التي تعمل في ظروف سياسية وأمنية استثنائية. فالنزاهة الأكاديمية، في معناها العميق، ليست نتاج استقامة الأفراد وحدها، بل ثمرة تصميم مؤسسي رشيد يقلّص فرص الانحراف ويجعل كشفه أمرًا حتميًا.
وفي الختام، فإن الجامعة القادرة على حماية سجلها الأكاديمي عبر منظومة محصّنة، شفافة، ومتعددة مستويات الرقابة، هي وحدها القادرة على صون شهادتها، والحفاظ على سمعتها، والاستمرار في أداء دورها التاريخي بوصفها مؤسسة معرفة لا تُختزل في الأشخاص ولا تُرهَن لظرفية المواقع.

عن عزيز سليمان

شاهد أيضاً

معاداة السامية: الدرع السحري الذي يحمي الأكاذيب ويصمت الأصوات

بقلم: د. عزيز سليمان، أستاذ السياسة والسياسات العامةquincysjones@hotmail.com في عالم السياسة المعاصر، حيث تتشابك الخيوط …