النصح أغلى ما يباع ويوهب – هل هذا صحيح؟

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

القصيدة أدناه وصلتني من صديق عزيز ورفيق دروب شقاوة المدارس الأولى ببربر ثم جامعة الخرطوم وأخيراً تجمعنا الإمارات وهو دبلوماسياً مرموقاً بسفارة السودان بأبوظبي وأنا طبيباً مبتدئاً في تلك الامارات والآن كل منا في قارة تفصلنا المحيطات العريضة وتبقى الأواصر والوشائج الأصيلة تربطنا ولا تتغير .شكراً أخي الحبيب عبدالقادر أحمد الشيخ وسأعمل بنصيحة غالية خصصتني بها وأنت تقول:
“كل بيت في هذه القصيدة يعادل كتاب” وهي إحدى القصائد الخالدة للشاعر صالح بن عبد القدوس أحد شعراء الدولة العباسية

صِلِ الكرامَ وإنْ رموكَ بجفوةٍ
فالصفحُ عنهمْ بالتَّجاوزِ أصـوَبُ
واخترْ قرينَكَ واصطنعهُ تفاخراً
إنَّ القريـنَ إلى المُقارنِ يُنسبُ
واخفضْ جناحَكَ للأقاربِ كُلِّهـمْ
بتذلُّـلٍ واسمـحْ لهـمْ إن أذنبوا
ودعِ الكَذوبَ فلا يكُنْ لكَ صاحباً
إنَّ الكذوبَ يشيـنُ حُـراً يَصحبُ
وزنِ الكلامَ إذا نطقـتَ ولا تكـنْ
ثرثـارةً فـي كـلِّ نـادٍ تخطُـبُ
واحفظْ لسانَكَ واحترزْ من لفظِهِ
فالمرءُ يَسلَـمُ باللسانِ ويُعطَبُ
والسِّرُّ فاكتمهُ ولا تنطُـقْ بـهِ
إنَّ الزجاجةَ كسرُها لا يُشعَبُ
وكذاكَ سرُّ المرءِ إنْ لـمْ يُطوه
نشرتْـهُ ألسنـةٌ تزيـدُ وتكـذِبُ
لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليسَ بزائدٍ
في الرِّزق بل يشقى الحريصُ ويتعب
ويظلُّ ملهوفـاً يـرومُ تحيّـلاً
والـرِّزقُ ليسَ بحيلةٍ يُستجلَبُ
كم عاجزٍ في الناسِ يأتي رزقُهُ
رغَـداً ويُحـرَمُ كَيِّـسٌ ويُخيَّـبُ
وارعَ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنبْ
واعدِلْ ولاتظلمْ يَطبْ لكَ مكسبُ
وإذا أصابكَ نكبةٌ فاصبـرْ لهـا
مـن ذا رأيـتَ مسلَّماً لا يُنْكبُ
وإذارُميتَ من الزمانِ بريبـة
أو نالكَ الأمـرُ الأشقُّ الأصعبُ
فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ
يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ
كُنْ ما استطعتَ عن الأنامِ بمعزِلٍ
إنَّ الكثيرَ من الوَرَى لا يُصحبُ
واحذرْ مُصاحبةَ اللئيم فإنّهُ
يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ
واحذرْ من المظلومِ سَهماً صائباً
واعلـمْ بـأنَّ دعـاءَهُ لا يُحجَـبُ
وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلـدةٍ
وخشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ
فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا
طولاً وعَرضاً شرقُهـا والمغرِبُ
فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي
فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ ويُوهَـبُ
تحياتي لكم جميعا.

أصدقك القول أخي عبدالقادر وأن ما جاء في هذه القصيدة التي مرت على تأليفها القرون “النصح أغلى ما يباع ويوهب” فيها حكم تحمل تناقضًا عبقريًا، فهي تجمع بين قيمة النصح الذي لا يقدر بثمن (فيُوهب) وصعوبة تقديمه وقبوله أحيانًا (فيحتاج أن يُباع)، أي أن الناصح يبذل جهدًا في “بيعه” أو تقديمه بطريقة مقبولة
هذا ما حفزني للبحث إن كانت قد وجدت أمثلة واقعية من التاريخ لأحداث تتناسق مع عبقرية هذا الشاعر وعموم الشعراء الذين ينصحوننا حتى هنا في السودان خاصة شعراء البادية الحكماء بالفطرة والذكاء . من نتيجة البحث الذي قمت به نشاهد هنا بعض الأمثلة والأحداث التي فعلاً قد حدثت “والنصح قد يجدي أو العكس” وكان للأسف بعضها قد انتهى نهاية مأساوية وبعضها غيَّر مجرى الأحداث
هاك أمثلة حول ما ورد من نصح وأحداث تاريخية توضح صحة حكمة ما جاد به شاعر القصيدة :

النصح الذي وُهب (وتم رفضه): قصة سقراط
الناصح: الفيلسوف سقراط
النصيحة: كانت فلسفة سقراط قائمة على نصح أهل أثينا بالتساؤل والشك في المعتقدات التقليدية والبحث عن الحقيقة والمعرفة بدلاً من السعي للسلطة والثروة. نصحهم بفحص حياتهم لأن الحياة غير المفحوصة لا تستحق العيش
الثمن/الرفض: لم يطلب سقراط أجرًا ماديًا، بل وهب نصيحته مجانًا في الساحات العامة لكن المجتمع والأثينيون رفضوا هذه النصيحة الثمينة، ورأوا فيها تهديدًا لقيمهم وأبناءهم. كانت النصيحة “غالية” جدًا عليهم. النتيجة: حُكم على سقراط بالإعدام بتهمة إفساد الشباب وعدم إيمانته بآلهة المدينة، فشرب كأس السم مختارًا. لقد وهب أغلى ما عنده (الحكمة) ورفضوا شراءها (أو قبولها)

النصح الذي “بِيع” (وتم قبوله) : صلاح الدين الأيوبي والوزير القاضي الفاضل
الناصح: القاضي الفاضل، رئيس ديوان الإنشاء (رئيس الوزراء) وقاضي القضاة لدى صلاح
النصيحة: كان القاضي الفاضل يمثل صوت العقل والنصح المستمر لصلاح الدين. كان ينصحه بالحلم وسعة الصدر، والتريث في اتخاذ القرارات المصيرية، وكثيرًا ما كان يردعه عن الغضب والعجلة
الثمن/القبول: لم تكن النصيحة تُباع بالمال، ولكن “بِيعت” بطريقة أدائها. كان القاضي الفاضل حكيمًا في تقديم نصحه، فيختار الأوقات المناسبة والكلمات المؤثرة التي تقبلها نفس صلاح الدين. كان صلاح الدين يدرك قيمة هذه النصيحة ويشتريها بثمن غالٍ وهو “الثقة والطاعة” النتيجة: كان لنصح القاضي الفاضل أثر عظيم في تشكيل شخصية صلاح الدين القيادية وسياسته الحكيمة، التي أدت في النهاية إلى تحقيق النصر في معركة حطين وتحرير القدس.

النصح الذي وُهب وبِيع في نفس الوقت (ورُفض): السفير الأمريكي في بيرل هاربر
الناصح: العديد من الدبلوماسيين والجواسيس الأمريكيينالنصيحة: قبل الهجوم الياباني على بيرل هاربر في 7 ديسمبر 1941، تلقى الجيش والسياسيون الأمريكيون العديد من التقارير والإنذارات (نصائح) عن نية اليابان الهجوم. كانت هذه النصائح “تُوهب” (مقدمة من موظفين لهم عملهم) ولكنها أيضًا “تُباع” محاولة إقناع المسؤلين بجديتها
الثمن/الرفض: ثمن قبول هذه النصيحة كان اليقظة وتحريك الأسطول وإعلان التأهب، وهو ما رآه القادة ثمنًا باهظًا أو غير ضروري. رفضوا “شراء” هذه النصيحة أو تصديقها
النتيجة: كان الهجوم المدمر على بيرل هاربر، الذي أدى إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. النصيحة كانت أغلى من أن يشتروها في ذلك الوقت
النصح الذي كلف حياته لأنه وهبه

: الحسن بن علي بن أبي طالب
الناصح: الحسن بن علي
النصيحة: بعد استشهاد والده علي بن أبي طالب، بايعه الناس بالخلافة. لكنه رأى أن استمرار الحرب مع معاوية بن أبي سفيان سيؤدي إلى تمزق الأمة الإسلامية وإراقة المزيد من الدماء. فقدم نصيحته للأمة بأن “يجعلها يدًا واحدة” ويتنازل عن حقه في الخلافة لمعاوية حقنًا للدماء ما عرف بعام الجماعة
الثمن/النتيجة: وهب الحسن أغلى ما عنده (مكانته السياسية وحقه في الخلافة) من أجل مصلحة الأمة. الكثير من أتباعه لم يقبلوا هذه النصيحة واعتبروها تنازلاً، بل إن هذه النصيحة (التي كلفته عرشه) كلفته في النهاية حياته، حيث يعتقد أنه دُس له السم بسبب موقفه هذا. لقد وهب نصحًا غاليًا دفعه من سلامة جسده ثم حياته

الخلاصة
النصح يوهب: لأنه ينبع من نية صادقة لخدمة الآخر دون انتظار مقابل مادي (مثل سقراط والحسن بن علي)
النصح يباع: لأنه يحتاج إلى حكمة في “تسويقه” وتقديمه في الوقت والطريقة المناسبتين حتى يُقبل (مثل طريقة القاضي الفاضل مع صلاح الدين). الثمن هنا ليس مالاً، بل الاحترام، الثقة، أو مجرد إنصات الأذن
النصح أغلى ما يكون: لأنه قد يكلف الناصح منصبه، سمعته، أو حتى حياته إذا كان المتلقي غير مستعد لقبوله. وقيمته تكمن في أنه يمكن أن يمنع كوارث أو يبني أمماً
يجب أن نقدّر النصح الذي إن قدم للآخرين بطريقة حكيمة تزيد من فرص قبوله

المصادر

١. سقراط:
المصدر الأساسي: محاورات أفلاطون، خاصة محاورة “الاعتذار” (Apology) التي دونت دفاع سقراط عن نفسه أمام المحكمة، ومحاورة “كريتون” (Crito) التي تناولت فترة سجنه ومناقشته لموضوع الهروب من العقاب، ومحاورة “فيدون” (Phaedo) التي وثقت آخر يوم في حياته ومناقشته لفكرة خلود الروح قبل شرب السم.
مراجع ثانوية:
كتاب “تاريخ الفلسفة الغربية” لبرتراند راسل.
كتاب”حياة الفكر في العالم الجديد” للمؤلف ويل ديورانت، أو سلسلته “قصة الفلسفة”

٢. صلاح الدين الأيوبي والقاضي الفاضل:
المصادر التاريخية الإسلامية الكلاسيكية:
“النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” لبهاء الدين بن شداد، وهو كاتب سيرة صلاح الدين الشخصية ومرافقه المقرب. هذا المصدر هو الأهم والأوثق حيث يذكر دور القاضي الفاضل ونصائحه بشكل مباشر ومتكرر.
“الكامل في التاريخ لإبن الأثير، الذي يقدم سردًا تاريخيًا شاملاً لتلك الفترة.
“سير أعلام النبلاء” للذهبي ، في ترجمته للقاضي الفاضل.
مراجع حديثة:
كتاب “صلاح الدين الأيوبي والبطل المعاصر” لستانلي لين بول.
كتاب “صلاح الدين:الملك الناصر”لعبد المنعم ماجد.

٣. بيرل هاربر:
التقارير الرسمية والتحقيقات:
تقرير لجنة روبرتس (The Roberts Commission) عام 1942، وهو أول تحقيق رسمي في الهجوم.
تقرير التحقيق Congressional Inquiry الذي أجراه الكونغرس الأمريكي بعد الحرب.
المراجع التاريخية:
كتاب “At Dawn We Slept: The Untold Story of Pearl Harbor” للمؤرخ جوردون برانج. وهو من أكثر الكتب شمولاً وتفصيلاً ويذكر التقارير الاستخباراتية المسبقة التي تم تجاهلها.
كتاب “Pearl Harbor: Final Judgment” لهنري كلوز، الذي كان المحامي الرئيسي في التحقيقات الرسمية.

٤. الحسن بن علي بن أبي طالب :
المصادر التاريخية الإسلامية الكلاسيكية:
“تاريخ الرسل والملوك” (المعروف بتاريخ الطبري) لابن جرير الطبري. وهو المصدر الأساسي الأكثر تفصيلاً لأحداث تلك الفترة، نص خطبة الحسن بن علي عند تنازله عن الخلافة.
“الكامل في التاريخ” لابن الأثير.
“مروج الذهب ومعادن الجوهر” للمسعودي.
“الإمامة والسياسة” (المنسوب خطأ لابن قتيبة)، الذي يروي أحداث تلك الفترة.
مراجع حديثة:
كتاب “صلح الحسن وأسلمة الصراع” للشيخ راغب السرجاني.
كتاب “الحسن بن علي” للدكتور علي محمد الصلابي.

ملحوظة والختام : هذا التعليق وفكرة البحث عن تطبيق ما ذكر في القصيدة على الواقع في دنيانا قد تم على قوقل وبمساعدة الذكاء الاصطناعي ، والأمثلة في مجريات الأحداث في السودان بالمقارنة بما ذكر هنا لكثيرة ، ليتنا نتعظ من مآسي ماضينا وحاضرنا، ليتنا نتعقل لنفكر والتدبر والتخطيط الصادق السليم هو فقط الذي سينقذنا والرسول صلى الله عليه وسلم قال “ليس القوي بالصرعة إنما القوي الذي يتمالك نفسه عند الغضب” أو كما قال وقس على ذلك القول الحكيم . عزيزي القارئ العزيز أختم وأهديك آخر أبيات القصيدة:
وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلـدةٍ
وخشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ
فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا
طولاً وعَرضاً شرقُهـا والمغرِبُ
فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي
فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ ويُوهَـبُ

عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
الثالث والعشرين من أغسطس 2025

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

أجمل الأيام – هل ستعودين؟

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي أجمل الأيام كانت تلك التي عشناها بقلوب خفيفة، حيث كانت …