كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
هنالك باحثان في العلاقات الدولية منحا فكرة السيادة بعداً جديداً ومختلفاً عمّا كان سائدا في الفكر الكلاسيكي، هما: رودني هال وستيفن كراسنر. فقد ألقيا جانباً التصوّر التقليدي للسيادة الموروث من صلح وستفاليا، الذي ظلّ مهيمنا حتى قبيل موجة العولمة في تسعينيات القرن الماضي.
رأى هال (Rodney Bruce Hall) أن السيادة تتآكل من الداخل؛ حين تضعف مؤسسات الدولة ويختلّ التمثيل السياسي. بينما ذهب كراسنر (Stephen D. Krasner) إلى أبعد من ذلك، نافذاً إلى جوهر العلاقات الدولية نفسها، حيث رأى أن السيادة تمارس وفق “نفاق منظَّم” (Organized Hypocrisy) تمارسه الدول في خطابها وسلوكها. فهي ترفع شعار احترام السيادة حين يخدم مصالحها، وتنتهكه حين يعيقها.
كل ذلك يرتكز على عنصر القوة. وهذه الأخيرة هي التي تحدد مستوى السيادة في الملعب الدولي صعوداً وهبوطاً. وهذا – فيما يبدو – ما يجهله الإسلاميون في السودان بشكل مريع؛ فهم ما زالوا أسرى لفهم السيادة وفق الرؤية الكلاسيكية الوستفالية.
على إثر ذلك، راحوا يلعبون بالبيضة والحجر، وقد مضوا في ذلك أفقاً بعيداً ومُهلِكاً. فشهيتهم للسلطة صيرتهم كسرب فراشات تنجذب للنار؛ حيث مصرعها. فمنذ أن وضعوا في مخيلتهم الاستيلاء على السلطة في السبعينيات، لم يتنازلوا عن هذا المبدأ أبداً.
ويمكن القول إنهم قد نجحوا لحد ما، ولكن بثمن باهظ. فقد اعتمدوا في ذلك على خطاب أيديولوجي يُكفِّر من يقف في طريقهم، ومصالحةً مع نظامٍ حاربوه بالقوة، وتغلغلاً وسط الجيش، ثم سياسة تمكينٍ محكمة بعد الوصول إلى الحكم.
وحين استقر لهم الأمر، عرفوا السلطة الغشوم (Oppressive authority)؛ التي لا ترى في معارضيها سوى أعداء للدين. فقد غاب عنهم أن منظومة التمكين التي أوصلتهم إلى الحكم، كانت تحمل في داخلها أسباب سقوطهم. فالحبل الذي رفعهم هو نفسه الذي سيخنقهم، حين تضعف القوة التي تشدّهم. ولم يدركوا أن الداخل لا ينفصل عن الخارج، وأن النظام الدولي لا يقوم على المبادئ المجردة، بل على ما سمّاه ستيفن كراسنر “النفاق المنظَّم”. أي ذلك التناقض الدائم بين الخطاب والممارسة؛ فالدول القوية ترفع شعار احترام السيادة حين يخدم مصالحها، وتنتهكه حين يعيقها. وهكذا يصبح النفاق المنظَّم هو القاعدة التي تُدار بها العلاقات الدولية، لا الاستثناء منها. وهو ما لم يستوعبه الإسلاميون في السودان حتى اليوم.
ولم يدركوا هذه الحقيقة، فتعاملوا مع السيادة كقيمة مطلقة، لا كأداة سياسية نسبية. وطفقوا يطالبون باحترامها من الخارج، في الوقت الذي ينتهكونها في الداخل. ومن هنا تتجلى محنتهم الفكرية والسياسية الكبرى. فاللعب بالبيضة والحجر في السياسة يستلزم فهم قواعد الملعب الدولي – كما وصفها كراسنر – لا مجرد رفع الشعارات.
ويجب ملاحظة أن السيادة لا تُصان بالهتاف، بل بالقوة الداخلية. والقوة الداخلية هنا – باختصار – تتمثل في: شرعية الحكم، وعدالته، ورضا الناس عنه. فحين يكون الحكم راشداً وتمثيلياً، يتكوّن نوع من الاستقرار تتغذى عليه السيادة في الخارج. أما حين تنشب الحروب الأهلية، أو تدور الصراعات حول الهوية والسلطة، فتتآكل السيادة سريعاً، وتصبح مبررات التدخل الخارجي – سواء كانت إنسانية أو سياسية – مقبولة ومطلوبة.
فالسودان اليوم هو المثال الأوضح على هذا التآكل. الحرب لم تُضعف مؤسسات الدولة فحسب، وإنما كشفت أن من يرفع شعار السيادة هو نفسه من فرّط فيها. الإسلاميون الذين ركبوا موجة البرهان بعد انقلابه على الثورة في أكتوبر 2021م، أعادوا إنتاج الخطاب ذاته: مواجهة العالم بخطاب متعالٍ عن الدين والهوية، وأخيراً الكرامة؛ بينما الأرض تنزف، والناس يُقتلون، والسيادة تُستباح بالوساطات والصفقات.
إن أحد أكبر محن الإسلاميين الحقيقية أنهم محدودو المعرفة بالعلاقات الدولية في شقها الديناميكي؛ أي في لحظة التفاعل الحي مع الخارج، حيث لا مكان للخطابة، بل لإدارة القوة بذكاء وبناء الداخل قبل منازعة الآخرين. ويبدو أن الاستثناء الذي يكاد يكون وحيداً هنا هو د. مصطفى عثمان إسماعيل؛ الذي أدرك – من خلال تجربته الدبلوماسية – أن التعامل مع العالم يقوم على لغة المصالح والممكنات، لا على الخطابات المطلقة والشعارات التي لا تحتملها موازين القوى.
وحين يلتقي جهلهم بجهل العسكر – أولئك الذين دخلوا دهاليز السياسة بعيونٍ عسكرية لا تفرّق بين التكتيك والقرار السياسي – تكون النتيجة كارثية. الجنرالات الذين يحكمون اليوم يقتربون من دائرة السذاجة السياسية نفسها التي دخلها البشير من قبل؛ مدفوعين بالشعارات ذاتها عن الدفاع عن السيادة ومقاومة المؤامرة. ونسوا قانوناً مهماً في العلاقات الدولية: أن النظام الدولي لا يعاقب من يعاديه، بل من يجهله.
مهما يكن من أمر، يجدر التذكير بإن إدانة علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية، لا يمكن اعتبارها حدثاً عابراً تعدو به ريح الأحداث، وإنما حلقة ستُجرّ معها البشير وبقية المطلوبين عاجلاً أو آجلاً. وحين تُفتح الملفات من جديد، لن يكون البرهان بعيداً عنها.
والتاريخ في السودان يعيد نفسه ببطءٍ وسخرية مُرة. فكما قال الترابي للبشير ذات يوم في لحظة عجزه: “اذهب ودافع عن نفسك”؛ سيجد البرهان من يهمسها له بالبرود نفسه.
فالمشهد واحد، والممثلون يتبدّلون: جنرال مأخوذ بوهم القوة، وإسلاميون يقودونه إلى الهاوية باسم الدين والسيادة والكرامة؛ بينما العالم من حولهم لا يعترف إلا بمن يُحسن إدارة قوته، لا بمن يُهدرها في التوهّم والشعارات.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم