النفس نفسان والأشياء ثلاثة يا ياسر العديرقاوي

النفس نفسان والأشياء ثلاثة يا ياسر العديرقاوي
ضرورة الضبط اللغوي حتى لا ينقلب التنزيه إلى تعطيل

بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان

كثيرًا ما تُقال بعض العبارات بحسن نية، وبقصدٍ صحيح، لكن، بالفحص العلمي، نكتشف أنها تحمل في طياتها إشكالًا عقديًا ومنهجيًا. ومن ذلك ما قاله السيد ياسر العديرقاوي: “الله ليس شيئًا؛ لأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء”. ورفع السيد العديرقاوي قلماً وورقة ثم قال: إن قلنا إن الله شيء، فقد اشترك في الشيئية مع هذا القلم وهذه الورقة. لا شك أنه يريد بعبارته تلك تنزيه المولى عز وجل عن مشابهة المخلوقين، وهو مقصدٌ نبيل لا يُنكر. غير أن الإشكال لا يكمن في النية، بل في العبارة ذاتها، إذ جمعت بين معنيين مختلفين لكلمة “شيء”، ثم بنت على هذا الجمع حكماً غير صحيح.
ولا شك أن خلط المفاهيم هو أصل معظم الإشكالات. وينجم خلط المفاهيم عن المعرفة المبتسرة باللغة.
نشير بداية إلى أن كلمة «شيء» في العربية تعتبر من أوسع الألفاظ دلالةً. وبالتالي لا يصح التعامل معها على أنها ذات معنى واحد في كل سياق. وقد وقع العديرقاوي في الخطأ حين لم يُفرَّق بين: (1) الشيء بالمعنى المطلق، أي ما ثبت له وجودٌ، مادياً أو ذهنياً، ويصح أن يُعَلم ويُخبر عنه، وبين (2) الشيء بمعنى المخلوق وبين (3) الشيء المبهم، أو الشيء الذي ليس له معنى وإنما هو حيلة تعبيرية نحوية أو بلاغية ليس إلا. وهذا الخلط هو الذي أوقع العديرقاوي – من حيث لا يشعر – في نفيٍ غير منضبط. فمن حيث المنطق، كل ما يمكنك أن تتكلم عنه فهو شيء، سواء كان مخلوقاً أو غير مخلوق، موجوداً أو غير موجود. وبالتالي فإن الاشتراك في الشيئية ليس بالأمر الذي يعتد به، ويمكننا القول إن “الاشتراك في الشيئية ليس بشئ”. ونفي الشيئية نفي للوجود.

تتميز كلمة “شيء” في العربية بسعتها الدلالية. وبالمقارنة مع الإنجليزية، نجد أنه يقابلها Thing وSomething ثم Object؛ ويقابلها في الفرنسية chose وquelque chose، وobjet وrien. ونلاحظ أن الإنجليزية والفرنسية تستخدمان مفردات مختلفة للإشارة إلى الوجود وللتعبير عن النفي والإبهام، بينما العربية تجمع كل ذلك في كلمة واحدة: شيء.

وأول ما نخلص إليه أنّ الشيء لا يعني المخلوق فحسب.
فالشيء في اللسان العربي، وعند المتكلمين، يُطلق على كل ما ثبت وجوده أو لم يثبت وجوده، سواء كان مخلوقًا أو غير مخلوق، محدودًا أو غير محدود، أو مشابهًا أو غير مشابه. إذن فكلمة “شيء” تعني “الموجود” بإطلاق، ولا تعنى فقط مادةً أو فكرة أو مخلوقاً. وبهذا المعنى، فإن الله موجود، وكل موجود شيء، لكن مع فارق جوهري، هو أنه، سبحانه وتعالى، شيء لا كالأشياء، وليس كمثله شيء. أي: أن الله موجود، لا كالموجودات، وليس كمثله موجود.

المعنى البلاغي والنحوي لكلمة “شيء”
عندما نقول “هذا ليس بشيء”، نعني أنه ليس مهماً، بل أن أهميته تساوي صفراً. ومن ذلك الآية الكريمة “لستم على شيء”. ومن الواضح هنا أن “شيء” إنما هي حيلة للتعبير البلاغي ليس إلا. وتؤدي كلمة “شيء” أدواراً نحوية مثل النفي، كما في قولنا “لم يقل شيئاً”، أي لم يتكلم، أي سكت، أي لم يصدر عنه أي محتوى لغوى. فكلمة “شيء” تساعدنا هنا نحوياً في صياغة النفي. وفي سؤال مثل “هل أكل شيئاً؟”، نقصد “هل أكل/هل طعم/هل أفطر…إلخ؟”. ويتلخص دور الأداة “شيء” في مساعدتنا على طرح السؤال. وفي عبارة “ما به شيء”، نقصد أنه بصحة جيدة. وفي عبارات مثل “لم يقل شيئاً” و”هل أكل شيئاً؟” و”ما به شيء” نحن لا نتحدث عن أشياء أو موجودات أو كائنات، بل فقط نستفهم عن أمر أو نقوم بنفيه.
وإذا قلنا “لا شيء يدوم”، فإننا قد استعنّا بكلمة “شيء” لإثبات عدم الدوام في الكون، من دون أن نقصد الحديث عن فرادى الأشياء التي لا تدوم. وبالمثل، فإن كلمة “شيء” في الآية الكريمة “كل شيء هالك إلا وجه” لا يراد بها تعداد الأشياء التي تهلك بقدر ما يراد القول إن الهلاك هو مصير الجميع ما عدا الله عز وجل. وهكذا تصبح عبارة “كل شيء” دالاً واحداً مكوناً من جزأين. فنحن هنا إزاء بنية لغوية لإثبات عدم الدوام في المثال الأول، ولإثبات الهلاك في المثال الأخير. وهكذا يتضح لنا المعنى المراد في قوله تعالى “ليس كمثله شيء”: ليس المقصود تعداد فرادى الأشياء، بل المقصود نفي الشبيه والنظير والمثيل عن الله عز وجل.
ولم ينفِ القرآن الكريم عن الله عز وجل الشيئية بإطلاق، وإنما نفى عنه، جل جلاله، المماثلة فقط، فقال: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”. فلو كان التنزيه الصحيح هو نفي الشيئية مطلقًا، لقال القرآن: الله ليس شيئًا، لكنه لم يقل ذلك، بل أثبت لله عز وجل الوجود، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر؛ ونفى فقط الشبيه والنظير والمثل.
وبين التنزيه والتعطيل بونٌ شاسع. يقوم التنزيه الصحيح على قاعدتين. القاعدة الأولى إثبات ما أثبته الله لنفسه؛ والقاعدة الثانية نفي المماثلة عنه، سبحانه وتعالى. أما تعطيل الصفات أو الأوصاف العامة – كـ«الشيئية» التي تعني الوجود – بحجة الفرار من التشبيه، فهو مسلكٌ يؤدي إلى نفي الصفات الثابتة، من دون أن يحقق تنزيهاً للذات الإلهية. فالله سبحانه شيء، لا كالأشياء. فما ثمة من داع لنفي الشيئية في محاولة غير ضرورية ولا مطلوبة لتنزيه المولى عز وجل؟ سيكون مآل من يحاول ذلك أن يجد نفسه قد عطّل وجود الله وهو يريد تنزيهه.

ولا يخفي علينا أن كلمة “شيء” يقصد بها أحياناً في بعض السياقات التقليل من القيمة؛ وربما من هنا جاء التحرّج في وصف المولى عز وجل بها.

النفس نفسان
هذا، وبسبب عدم إدراك الأدوار النحوية لبعض المفردات، وقع العديرقاوي أيضاً في خلط كبير في وقت سابق حين استنتج في أحد أحاديثه استنتاجا مستنكرا من الآية الكريمة “كل نفس ذائقة الموت”. ومثلما هو الحال في كلمة “شيء”، تحمل كلمة “نفس” معنىً معجمياً وآخر نحوياً يجعل منها أداة تستخدم لأغراض تركيبية. فعندما تقول “نفسي فداك” أنت تقصد النفس ككيان، تلك التي تحي وتموت؛ لكن عندما تقول “شاهدته بنفسي”، أنت تقصد أنك شاهدته بجارحة بصرك ولم يخبرك به شخص آخر. وهكذا يصبح معنى “ائتوني به أستخلصه لنفسي” أي له هو وحده لا يشاركه فيه غيره. فالنفس هنا ضمير، أي أداة نحوية. وقد دفع هذا الخلط في فهم قوله تعالى “تعلم ما في نفسي ولا أعلم من نفسك” كثيراً من المفسرين إلى القول بأن لله نفساً، ثم وقعوا في إشكال “كل نفس ذائقة الموت”، فمجمجوا. لكن بمعرفة النفس النحوية، في مقابل النفس الكيانية، يزول هذا الإشكال: “تعلم ما في نفسي”، أي تعلم ما في داخلي أنا وما أخفيه في صدري. وفي الآية الكريمة “يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها”، النفس الأولى هي كيان له حقيقته والنفس الثانية كائن نحوي ليس إلا.
وما إنْ نخرج من ضيق اللغة الأم إلى رحاب الألسن البشرية حتى يتضح لنا الفرق جلياً. ففي الإنجليزية “your soul” هي نفسك التي بين جنبيك، و”yourself” هي نفسك النحوية. ويقابل ذلك في الفرنسية ” ton âme” و” toi-même”. وتظهر الفرنسية النفس النحوية إظهاراً باهراً في الأفعال الانعكاسية، كما في الفعل “se laver”. ففي الأمر بالاغتسال، على سبيل المثال، يقول الفرنسيون “lave-toi” ونترجمها حرفياً بـ”اغسل نفسك”، ودلالياً بـ “استحِم/اغتسلْ”. وهكذا نلاحظ أن التاء المزيدة التي نجدها في “اغتسلْ/استحم” هي ضمير منعكس على الذات: اغسل نفسك!

ونافلة القول إن إثبات الشيئية إثبات للوجود، ونفيها نفيٌ له. ثم يتحقق التنزيه بنفي المثيل من الأشياء. ولا تعارض بين هذا وذاك إلا إذا كان هناك خلط في المفاهيم.
والنفس هي نفسك التي بين جنبيك، وهي الإمارة بالسوء، وهي اللوامة، ثم الراضية والمرضية، أي هي النفس التي تستحق الثواب أو العقاب. ثم هناك النفس النحوية، التي، ليست بشئ، وإنما هي ضمير لغوي تتكلم به.

ونعتقد أن أخطر ما في المسائل العقدية ليس سوء القصد، أو السعي المحموم إلى الإبهار والإتيان بما لم يأتِ به الأوائل، بل إثارة المسائل من دون إدراكٍ لكنه المفاهيم، ومن دون ضبط للمصطلحات.

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

الدعوة إلى التواضع و”تهديد المكانة الشخصية”

بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان منذ أن بدأتُ أدعو إلى فضيلة التواضع، قبل أكثر …