النوبة والبني عامر: من 1965 لا حولا .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
30 أغسطس, 2019
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
54 زيارة
كنت شكوت من بؤس تشخصينا لنزاع النوبة والبني عامر الدموي. ومن مظاهر هذا البؤس صرفنا له ك”صراع قبلي” كعادتنا في مثل هذه الحالات. ومثل هذا الصرف هو سبيلنا للجهل الحداثي المستنير برمينا غمار الناس ب”البدائية” أو “العقل الرعوي” يتماسكون الحزز لأهون الأمور. وساقت هذه “الأندلة” الفكرية صفوة الرأي والكتابة إلى اشمئزاز من هؤلاء الغمار في المدينة والريف ومن ثم إحالتهم، متى ثاروا ثوراتهم الرعناء، إلى آبائهم الطبيعيين في الإدارة الأهلية. وهذا مدخلنا للباب الدّوار: صلح مكرر قصير الأجل آخر.
ومن أظهر وجوه جهلنا بالنزاعات مثل نزاع النوبة والبني عامر هو خلو يدنا مما سماه منصور خالد معرباً ب”الذاكرة الجهازية”. ويعني بها توافر أرشيف مؤسسي لبؤر هذه النزاع يحوي بين دفتيه سجلاَ بصداماتها. وقد أسعفني صديق على صفحتي بالفيس بوك بمادة غراء عن ما أردت بيانه عن هذه الذاكرة. فقد بعث لي بقصاصة من جريدة “صوت السودان” بتاريخ 5 إبريل 1965 وفيها خبر نزاع بين نفس النوبة ونفس البني عامر. ودار النزاع حول حرق كنيسة للنوبة بواسطة البني عامر. وستجد أن الخبر معلول المهنية. فانتقل المخبر من الخبر إلى وعظ عن سماحة الدين الإسلامي مما تتوقعه من واعظ لا من صحفي يتحرى دقائق الواقعة: أين، كيف، ولماذا.
ومن عجائب الصدف أن يقع نزاع النوبة والبني عامر في 1965 في أعقاب ثورة أكتوبر وفي منعطف أسفرت الثورة المضادة عن أنيابها بمحاصرة حكومة الثورة الأولى، وحمل رئيس الوزراء، سر الختم الخليفة، على الاستقالة ليكون حكومة أرضت الأحزاب التقليدية أو الرجعية. لا أوحي بشيء هنا سوى الإشارة إلى أن واقعتي نزاع النوبة والبني عامر تطابقا توقيتاً أقله بالحدوث في منعطف ثوري تكتنفه قوى معادية للتغيير.
لا أطيل. وأرفق رسالة الصديق مع هذه الكلمة لأنها قطعت قول كل خطيب عن فقرنا في علم اجتماع شعبنا. فتجدنا نتبارى اليوم في تثمين إحسان أفراد قوائم مرشحي مجلس الوزراء وتضلعهم في المعارف في حين تخلو يدنا من الذاكرة الجهازية التي لا يكون ذلك الإحسان والتضلع إلا بها.
IbrahimA@missouri.edu