الهدوء المستتر

خيط النور
هناك لحظة ندرك فيها أننا تغيّرنا دون قصد، ودون أن نعلن شيئًا لأحد. نتفقد أجزاءنا القديمة فلا نجدها في المكان الذي تركناها فيه، ونلحظ أن بعض مشاعرنا التي كانت قوية، لم تعد تتحكم فينا كما في السابق. نشعر بأن صمتنا أصبح أعمق، وأن فهمنا للأشياء صار أكثر وضوحًا، رغم أننا نميل للهدوء أكثر من ذي قبل. الطريق الذي نسلكه أصبح أبطأ أحيانًا، ولكنه أكثر وعيًا، وأكثر انسجامًا مع ما نحن عليه حقًا. في هذا الصمت، نتساءل عن النسخة التي كناها، عن الأخطاء التي ارتكبناها، وعن الصبر الذي لم نكن نعرفه في السابق. كل هذا التغيير يحدث بلا صخب، لكنه يترك أثرًا واضحًا على كل ما نختاره في حياتنا، وعلى كل لحظة نختبرها.
فأين ذهبت تلك النسخة القديمة منا، وماذا حملت لنا من دروس لم نكن ندركها؟
عندما نحاول أن نفهم التغيير، نكتشف أن النسخة القديمة منا لم تختف تمامًا، بل ابتعدت خطوة إلى الخلف، تاركة مساحة لما صرنا عليه اليوم. تظهر أحيانًا في لحظة حنين، أو في موقف يعيد إلينا شعورًا ظنناه خمد. قد يكون موقفًا بسيطًا: مثلاً شعور الغضب الذي اعتدنا أن نعبّر عنه بصوت عالٍ، فنكتشف أننا الآن نصمت، أو نختار كلماتنا بعناية أكبر، ونشعر براحة لم نكن نعرفها قبلًا. أو نلمحها في نبرة ضحكة لم تعد تتكرر كثيرًا. تلك النسخ القديمة تتوزع في الداخل كخبرة خفيفة، كأثر صامت يعلمنا حدودنا وقيمنا. وما يبقى في الواجهة هو ما تعلّمناه، وما قبلنا أن نستمر به، مع إدراك أن كل نسخة ساهمت في تكويننا.
نتغيّر دون أن نشعر أحيانًا، لكن علامات هذا النضج تظهر في لحظات بسيطة: صبرنا على الانتظار، اختيارنا الصمت بدل الرد، قدرتنا على الحب بوعي أكبر، وحدودنا التي نصونها بعناية، ميلنا للعزلة أحيانًا للتركيز على أنفسنا، ومحبتنا لذواتنا وتقديرها دون غرور. ومع مرور الوقت، نكتشف أن كل هذه التغييرات ليست محض صدفة، بل أثر الروح التي تتعلّم الصبر وتستشعر ترتيب الحياة بعمق أكبر. الإيمان يصبح جزءًا من كل حركة، كل خيار، وكل موقف نتعامل معه، ويعلّمنا أن الهدوء الداخلي ليس ضعفًا، بل قوة تنبع من إدراكنا لوجود أكبر منّا. هذا النضج الصامت يكشف لنا أننا لسنا وحدنا في رحلتنا، وأن كل تجربة، وكل انكسار، وكل لحظة فرح، هي درس من الروح يدفعنا لنكون أكثر وعيًا بما نحن عليه.
نتغير لأن الحياة تضغط علينا بطرق مختلفة، أحيانًا بصمت، وأحيانًا بصخب لا يمكن تجاهله. العمر يترك أثره في خطواتنا وفي نظرتنا للأشياء، ويعلّمنا تمييز ما يستحق وقتنا وما لا يستحق. الألم يعيد تشكيلنا، يوجعنا ويعلّمنا حدودنا ويكشف لنا ما هو مهم حقًا، ويجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا. والصبر، الذي نكتسبه تدريجيًا، يعلّمنا الانتظار بدل التسرع، والسكوت بدل التبرير، والرضا عما لا نستطيع تغييره.
نتعلم مع الوقت أن التغيير ليس دائمًا لطيفًا، ولا يحمل دائمًا تصالحًا مع كل من حولنا. أحيانًا نصبح أكثر وضوحًا في ما نريد، وأكثر حرصًا على حدودنا، فينفّر هذا البعض ويبتعدون. لكن هذا الابتعاد لا يزعجنا كما كان في السابق؛ لأننا صرنا نعرف قيمتنا، ونفهم ما يحتاجه قلبنا وما يليق بروحنا. وفي الوقت نفسه، يحمل التغيير جانبًا إيجابيًا يجعلنا أكثر حكمة، أكثر قدرة على الحب، وأكثر قدرة على الصبر على ما لا يمكن تغييره. المصالحة مع النسخة الجديدة منا، إذًا، ليست مجرد تقبّل؛ هي وعي كامل بما نحن عليه الآن، وفهم لطريقة الحياة التي صاغتنا بصمت.
التغيير أحيانًا يمنحنا القدرة على رؤية مباهج الحياة الصغيرة: ضحكة طفل، كتاب يفتح لنا أفقًا جديدًا، لحظة صمت نقدر فيها حضور الطبيعة. نكتشف أن قبول الآخرين كما هم، دون محاولة تعديلهم، يمنحنا راحة لم نعرفها من قبل. نصبح أقل توترًا على التفاصيل التي لم نكن نفهم قيمتها، وأكثر قدرة على تقدير اللحظات العابرة التي تحمل معنى خفيًا. ونلاحظ أن الفرح الحقيقي ليس في السيطرة على ما حولنا، بل في انتظامنا الداخلي، في قدرتنا على الاستمتاع بما هو موجود، وفي فهمنا أننا جزء من كل شئ أكبر لا يمكن تغييره.
كل نسخة مرّت بنا، وكل تجربة شكلتنا بصمت، تركت أثرها في أعماقنا. ما تغيّر هو أحيانًا هدوءنا، وأحيانًا قدرتنا على الفهم أكثر، وأحيانًا طريقة نظرنا إلى الحياة وعلاقاتنا بالآخرين. لا شيء يضيع منا حقًا، وكل ما صعد في الداخل أصبح جزءًا من ترتيبنا الجديد للحياة، ثابتًا رغم كل شيء. وبهذا الصمت، نصبح نحن؛ أهدأ، أعمق، أكثر معرفة بما نريد وبمن نحن حقًا.
فما الذي تغيّر فيك بصمت، وهل شعرت أنك لم تعد الشخص نفسه؟

د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …