اليوم الأول بعد الألف

زوايا
حمّور زيادة

أكملت الحرب السودانية يوم أمس (الجمعة) ألف يوم من المعاناة من دون حلٍّ واضح في الأفق. وما بدأ بـ”اشتباكات مسلّحة” في وسط العاصمة الخرطوم، في 15 إبريل/ نيسان 2023، تحوّل حرباً مفتوحةً بين سلطتين.

هُزمت قوات الدعم السريع في العاصمة بعد أن سيطرت عليها نحو عامَين، وأُجبرت على الخروج من وسط السودان لتُعلن سلطةً موازيةً في إقليم دارفور. وما زالت “حكومة تأسيس” التي أنشأتها المليشيا مع حلفائها لا تحظى بأي اعتراف دولي رسمي، لكنها تراهن على ترسيخ الأمر الواقع، ويبدو أن السلطة العسكرية وحكومتها (حكومة الأمل) لا تمانعان. فما بين التقدّم والتراجع في قبول التفاوض مع العدو، والموافقة على الوساطات الدولية ثم رفضها، وفي الوقت نفسه، تراجع العمل العسكري (مع تأكيدها غير مرّة استمرارَ الحرب حتى تحقيق النصر العسكري الكامل)، تكتسب حكومة “الدعم السريع” (الموازية) مزيداً من سلطة “الأمر الواقع”. وفي طريقها إلى ذلك، أعلنت نيالا في جنوب دارفور تأسيس بنك مستقل عن الخرطوم، وهو ما يُعدّ خطوة أخرى في الانفصال الاقتصادي بعد خطوة “تغيير العملة الرسمية”، التي بادرت إليها السلطة العسكرية ورفضتها سلطة المليشيا. وقد تعود قضية العملة الرسمية إلى الواجهة إذا ما أقدمت حكومة “الدعم السريع” على إعلان عملة خاصة بها بعد تأسيس البنك، وهو أمر له تأثيراته السالبة على الاقتصاد شبه الراكد حالياً الذي يقارب الانهيار. وإذا أُضيف إلى ذلك الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في العاصمة الخرطوم، واقتراب النظام الصحّي من الانهيار، فإن كلفة العمليات العسكرية ستكون أكبر من قدرة الطرفَين على احتمالها، مع الاستنزاف المستمر، وانعدام شبه كامل في الخدمات، وإعلان المجاعة في بعض مناطق إقليم دارفور.

سيستمر الأثر المدمّر للحرب حتى إذا توقّفت، فالمليشيات المسلحة التي انتشرت أصبحت اليوم أكثر وأقوى ممّا كانت عليه قبل الحرب. والحشد القبلي، والتنازع المناطقي، وانهيار مفهوم الدولة والمواطنة… كلّها أشياء لن يعالجها اتفاق لوقف إطلاق النار. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فإن جيلاً كاملاً من الأطفال السودانيين قد تضرّر من توقّف العملية التعليمية منذ اندلاع الحرب. وتحذّر المنظمة الدولية من أن هذا الضرر ليس مؤقّتاً، إنما هو ضرر تراكمي؛ لأن الجيل الذي خرج من التعليم سيدخل إلى بيئة عنيفة مليئة بالاستقطاب، ممّا يشكّل خطراً عليهم باحتمال تجنيدهم قسراً للقتال.

في جانبَي الحرب تقف سلطتان، لا يبدو أن واحدةً منهما تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً. فبخلاف الشعارات العامة عن العدالة والسلام وقيم المواطنة التي يتحدث عنها الطرفان في الإعلام الرسمي، لا تعِد الحكومتان (حتى المُعترَف بها من المجتمع الدولي وتمارس السلطة السيادية) إلا بقبضة أمنية، وباستنزاف سريع للموارد، خصوصاً الذهب. ويبقى وضع حكومة “الدعم السريع”، التي لا تتمتّع بالشرعية الدولية أو المحلية، أسوأ؛ إذ تفتقر إلى المقوّمات التي تستطيع بها إقامة سلطة فاعلة.

بعد ألف يوم، لم تعد الحرب الأهلية السودانية حدثاً طارئاً، فالحرب التي جاءت تتويجاً للصراعات الداخلية وبدأت بالحرب الأهلية مع جنوب السودان في 1955، أصبحت حقيقةً يوميةً تؤثّر في مستقبل السودان كلّه. وما ظهر مغامرةً حمقاءَ من قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمحاولة الاستيلاء على السلطة، انتهى إلى وضع عسكري استنزافي معقّد، وحكومتَين مترنّحتَين. ومع طول أمد الصراع ستضعف القبضة الهشّة ويزداد التفكّك الداخلي.

يطرح هذا سؤالاً قاسياً عمّا سيبقى من الدولة السودانية بعد هذه الحرب، التي لا يعلم أحد كم ألف يوم أخرى تُخفي. وهو ما يبدو أنه يشغل المجتمع الدولي أكثر من محاولة إنقاذ البلد المتداعي. فما يبدو أنه جغرافيا شاسعة، كانت حتى عام 2011 تبلغ مساحة مليون ميل مربع، تحوّل إلى بلد تتنازعه البنادق. بين دولة مستقلة في الجنوب، وسلطة موازية في الغرب، وسلطة عسكرية مركزية تتحصّن في شرق البلاد ووسطها، يبدو طريق الدولة السودانية غير مبشّر إلا بتقاسمها بين التحالفات الدولية والمصالح الإقليمية إلى حين تغيّر موازين القوى.

العربي الجديد

عن حمور زيادة

Avatar

شاهد أيضاً

حرب السودان: الضحايا والمكاسب

زواياحمّور زيادةواصلت قوات الدعم السريع هجومها على المواقع المدنية والبنية التحتية في مناطق سيطرة الجيش …