بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…
مدينة السودان التي حلمت بالحداثة.. فإبتلعتها الحرب
golden.wrist.sd@gmail.com

بقلم: الابن الحزين/ أمير حميدة ابو عشر

لم تكُن “بابنوسة” مجرّد نقطة على خريطة غرب كردفان، بل كانت تجسيداً حيّاً لحلم سوداني بالمدنية في عمق البادية. مدينة شهدت نعومة أظافري، واحتضنت طفولتي بين أسواقها النابضة، ومصنع ألبانها الذي كان شاهداً على إرادة الإنتاج، وصافرة قطارها التي كانت تعلن كل يوم عن اتصالنا بالعالم.

كيف لمدينة أن تتحول من جنة ذات ذوق رفيع – حيث كان الناظر بابو نمر يستمع “للأطلال” تحت ظل شجرته – إلى جحيم تئن تحت وطأة القذائف والطائرات المسيرة؟

💠ذاكرة الطفولة: عالم من التناغم

أتذكر بابنوسة وهي تتسع للجميع: المسيرية أهل الأرض والأصل، والتجار الشماليين (الجلابة) الذين نسجوا معهم علاقات مصاهرة وقرابة، والموظفين والعمال من شتى بقاع السودان الذين أضافوا لوناً آخر لفسيفساء مدينتنا. كانت سينما الخواجة تعرض لأم كلثوم وفريد الأطرش، بينما كان والدي رحمه الله، من كبار التجار حميدة أبوعشر، يساهم في بناء مدارسها وخدماتها، مؤمناً كما كل وجهائها أن المدنية اختيار وليس صدفة.

💠القطار الذي غيّر المصير

لم يكن وصول السكك الحديدية مجرد مشروع تنموي، بل كان نقطة تحول في وعي المدينة. من قرية نائية إلى عاصمة للقسم الغربي لسكك حديد السودان، حملت بابنوسة رسالة الوحدة الوطنية على خطوط تمتد من واو إلى نيالا. هنا، في نقابات السكك الحديدية، التقت النضالات العمالية بالحكمة التقليدية، حيث جمعت علاقة فريدة بين الناظر بابو نمر والمناضل النقابي عبد الحميد علي (بابكر).

💠النهاية المأساوية: عندما خان الأبناء

والآن، يأتي الموجع الأكبر: كيف لمدينة أن تدفع ثمن حرب عبثية يدمرها أبناؤها بأنفسهم؟ “على نفسها جنت براقش”.. إنها المفارقة الأليمة أن ينضم بعض أبناء بابنوسة – ممن ترعرعوا في حضن تنوعها ومدنيتها – إلى مليشيات “الجنجويد” التي عبثت بكل شيء.

لقد شاهدت بعين الحسرة كيف تحولت شوارع طفولتي إلى ساحات حرب، وكيف أُحرق مصنع الألبان الذي كان رمزاً للعطاء، وكيف سُويت سينما الخواجة بالأرض، وكيف تحولت محطة القطار التي كانت يوماً شريان الحياة إلى أطلال.

💠سؤال في ظل الدمار

أين ذهب أولئك الذين رضعوا من لبن بابنوسة المتسامحة، ثم عادوا ليدمروها بحقد أعمى؟ كيف لنا أن نفسر هذه الاغتراب عن الذات، هذه القطيعة مع الجذور؟

بابنوسة لم تمت فقط بفعل قوى خارجية، بل ماتت بيدان تحملان نفس الحمض النووي لترابها. ماتت عندما خان أبناؤها رسالتها، عندما فضلوا النار على الظل، والخراب على البناء، والجهوية على المدنية.

تبقى الذاكرة هي الوطن الوحيد لنا الآن.. ذاكرة مدينة كانت عنواناً للسودان الذي could have been، لكنه سقط بيد أبنائه قبل أن يسقط بيد الغزاة.

عن أمير حميدة

أمير حميدة

شاهد أيضاً

التحول الديمقراطي في السودان: عملية الولادة التي تم اجهاضها

أمير حميده ابوالمكمستشار حوكمة المؤسسات 💠الخطيئة التي قوضت التحول: الشراكة مع العسكر (البرهان – حميدتي) …