كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
بلاغة المعصم وسطوة الأصابع: الساعة والخاتم في المخيال الحداثي والسياسي الشعبي
(قراءة سيكولوجية أنثروبولوجية)
أتذكر على عهد الصبا في استوديوهات أمدرمان بعض الصور لكبار الفنانين معروضة خلف ألواح زجاجية في واجهة المحل، وقد أُخذت لهم لقطات وهم يستعرضون الساعة على يدهم اليسرى. فالصورة هنا ذات دلالة رمزية، تؤكد أن الفنان قد بلغ الشهرة، ولبس الساعة كسمة مميزة تؤكد حضوره وتبرز “بريستيجه”. في حين أن ذلك المنظر الآن يدلل على بساطة اجتماعية لا يمكن أن توصف إلا بالسذاجة والطيبة ومستوى تمدين المجتمع.
يؤكد التواصل البشري تاريخياً أن الجسد قد تحول من كيان بيولوجي صامت إلى خطاب يُقرأ ويُفسَّر. الإنسان يُذيع حالته وفلسفته ورؤيته للكون من خلال كل تفصيلة يختارها ليُلبسها جسده، من طريقة مشيته إلى هيئة جلوسه، وصولاً إلى ما يُعلّقه على أطرافه من رموز ومعادن وأحجار.
وإذا كان علم السيميائيات قد أثبت أن كل شيء من حولنا “يتكلم”، فإن اليد تحتل مكانة استثنائية في هذا المعجم، حيث إنها الأداة الأولى التي مدّها الإنسان للعالم. بها صنع، وبها حارب، وبها وقّع على عهوده، وبها لوّح في وداعاته وترحيباته. اليد هي لغة ما قبل اللغة، ولهذا فإن ما يُحلّي هذه اليد — ما يلتف حول معصمها وما يطوق أصابعها — يتجاوز حدود الزينة البسيطة ليصبح بياناً نفسياً واجتماعياً وسياسياً بالغ الأثر. فالمسافة بين المعصم والأصابع – رغم تضاؤلها — تنطوي على هوّة فلسفية سحيقة تفصل بين عالمين: عالم الانضباط والحداثة، وعالم التسلط والبهرجة.
المعصم هو أكثر مفاصل الجسم انسيابية وديناميكية، فهو المحور الذي تدور حوله يد الكاتب وهو يُخطّ أفكاره، ويد الموسيقار وهو يعزف، ويد الطبيب وهو يجري جراحته. لا غرابة إذن أن يختار الإنسان هذا الموضع تحديداً ليضع عليه أول اختراعاته التي أعانته على ترويض الزمن.. الساعة. غير أن الساعة — في سياق الحضارة الحديثة — لم تكن يوماً مجرد أداة لقراءة الوقت. فمنذ اللحظة الأولى التي انتقلت فيها من الجدران إلى المعاصم، تحوّلت إلى وثيقة هوية مدنية، شهادة يُعلنها صاحبها للعالم: “أنا إنسان ينتمي إلى عصره، يحترم وقته ووقت غيره، ويسير على إيقاع الحداثة بخطوات منضبطة.”
والساعة — على عكس ما فعل فنانو السبعينات — آلة ذات رمزية مختلفة، تدل أن الإنسان الذي يضعها على معصمه يُقرّ ضمنياً بأن الزمن موضوعي ومستقل عنه. إنه يعترف بمحدوديته أمام جريان الساعات، وفي هذا الاعتراف رصانة وعقلانية تتسق مع قيم الحضارة الإنسانية في أرقى صورها، لا مجرد بلوغ لبس الساعة كمظهر استعراضي لشخصية عامة. والملاحظة المهمة أن الساعة — مثل الخاتم تماماً — تخضع لسيكولوجية الاستعراض والتعويض. ليس كل من يضع ساعة على معصمه إنساناً منضبطاً متواضعاً. فثمة ساعات لا تخبرك بالزمن بقدر ما تخبرك بثمن صاحبها وحاجته إلى التمايز. انظر إلى ساعات بعض السياسيين… الساعة البسيطة، المتواضعة، التي تكاد تختفي تحت كم القميص، قد تكون أكثر دلالة على الثقة الداخلية والانتماء إلى الناس من أي خطاب وطني. صاحب هذه الساعة يقول بصمت: “أنا واحد منكم، وقتي مثل وقتكم، لا أعلو عليكم بزينة.” أما الساعة التي تزداد ثمناً وتألقاً كلما صعد صاحبها على المنصة، فإنها تحمل رسالة مضادة: “أنا لست مثلكم. وقتي أغنى من وقتكم، وأنا أنتمي إلى عالم مختلف.” وهنا تبدأ الساعة في أداء وظيفة الفصام.. فصل السياسي عن جماهيره.
غير أن الصورة تتعقد عندما تظهر الساعة الذكية على مسرح السياسة. فالرئيس أوباما، على سبيل المثال، كان يظهر بساعة متواضعة الثمن نسبياً، لا تختلف كثيراً عن ساعات الملايين من مواطنيه. وكأن صاحب القرار العظيم يظل ابن عصره، متصلاً به، وربما متشبهاً بعامة الناس في أبسط أدواتهم اليومية. هنا تصبح الساعة الذكية أداة مساواة رمزية، وجسراً يصل بين منصة الحكم والشارع. ليس لأنها رخيصة بالضرورة، لكن لأنها متاحة للجميع، ولا تحمل في تصميمها إشارات طبقية فجة كما تفعل الساعات المرصعة بالذهب والماس.
لكن القصة تختلف نوعياً عندما ننتقل من المعصم إلى الأصابع. حيث نجد أنفسنا أمام تحوّل دلالي جذري. فبينما يتسم المعصم بالحركة والانسياب، تتسم الأصابع المثقلة بالخواتم الضخمة بنوع من الجمود الرمزي المقصود. الأصبع المُحلَّى بخاتم عملاق لا يتحدث عن صاحبه إلى الأمام، انه يُلفت النظر إلى ذاته، ويطالب بالمعاينة والتقدير والإذعان. وهنا يبدأ الخاتم في التحوّل من تحفة جمالية إلى أداة تحكم بصري، إلى محاولة لإنتاج هالة مرئية من الهيبة تعوض نقصاً في المشروعية أو قلقاً داخلياً من التلاشي.
على عموم الأمر، يكشف علم النفس السياسي أن الشخصيات الاستبدادية تميل إلى ما يمكن تسميته بـ”محرك العظمة النرجسي Narcissistic Grandiosity Drive “، وهو دافع نحو التضخيم البصري للذات تعويضاً عن اهتزاز داخلي عميق. فالديكتاتور على سبيل المثال لا يثق بكاريزما جوهره الإنساني، لذا يستعين بالمعادن والأحجار الكريمة ليصنع هالة مصطنعة من الهيبة. الأصابع العارية تبدو “عادية”، وهذا ما يرعب الطاغية أكثر من أي شيء آخر… أن يبدو عادياً. فيحشو أصابعه بالذهب والياقوت والزمرد لكي تخطف عين الكاميرا، وتترك في نفس المُشاهد — في لحظة تُلوَّح فيها تلك القبضة المعدنية — أثراً نفسياً مركباً يمزج بين الإعجاب القسري والرعب الخفي.
وفي علم الأنثروبولوجيا السياسية، هناك ظاهرة موثقة تمتد عبر التاريخ من الإمبراطوريات القديمة حتى الديكتاتوريات الحديثة.. طقس “تقبيل الخاتم”. كطقس بروتوكولي للإذلال الممنهج، إعلان عبودية رمزي يُؤديه التابع أمام الجميع ليُثبت ولاءه وتخليه عن كبريائه أمام صاحب الخاتم. والفارق الجوهري هنا بليغ الدلالة.. الساعة تعبّر عن الالتزام بالزمن، عن إنسان يُدرك أن الزمن فوقه. أما خاتم الطاغية فيعبر عن نقيض ذلك.. عن رغبة جامحة في تجميد الزمن وتطويعه، في أن يكون هو نفسه مرجعية الزمن والقانون والحقيقة. إنه يريد أن يقول: “الزمن ليس فوقي، أنا فوق الزمن.”
ولعل الثقافة الشعبية تقدم مثالاً بالغ الدلالة على كيفية تحول الزينة إلى نص اجتماعي قابل للتأويل. فالعامية السودانية، على سبيل المثال، لا تتعامل مع الخاتم كقطعة معدن، وإنما كعلامة على طريقة حضور الإنسان داخل المجتمع. فعندما يقول الناس: “فلان لابس فلان خاتم”، إنها عبارة تحمل في نبرتها ظلالاً من القراءة النفسية والاجتماعية معاً. ذلك أن الفعل “لابس” لا يشير فقط إلى ارتداء شيء، وإنما إلى إدخاله ضمن هوية الشخص وصورته أمام الآخرين، وكأن المجتمع لا يرى الخاتم منفصلاً عن شخصية صاحبه، ولكنه يراه امتداداً لرغبته في أن يُرى بطريقة معينة. يعني أن فلاناً الثاني قد مُسخ واندغمت إرادته وأصبحت مطوقة بإرادة غيره، وأن شخصيته تحولت إلى امتداد نفسي لصاحب النفوذ. إنها صورة مدهشة للتبعية الناعمة، التبعية التي لا تحتاج إلى قيود ظاهرة لأنها تتحول تدريجياً إلى جزء من هوية التابع نفسه. والعبارة لا تستخدم الساعة بالطريقة نفسها، ولا يقول الناس “فلان لابس فلان ساعة” للدلالة على الخضوع. والسبب أن الساعة تحمل بنية رمزية مختلفة… الخاتم يطوق الإصبع ويغلق عليه في دائرة ثابتة، بينما تتحرك الساعة بعقاربها باستمرار، وتقوم وظيفتها على تنظيم العلاقة مع الزمن، فارتبطت بالانضباط والاستقلال الشخصي.
وإذا كان هذا شأن الخواتم في المشهد السياسي الاستبدادي، فإن ثمة شكلاً أكثر خبثاً وحداثة من استعراض السلطة عبر اليد… العناية المفرطة باليد ذاتها، صقلها، وجعلها تبدو “ناعمة”، “مكتنزة”، “مصقولة الأصابع”، مع عناية خاصة بباطن الكف. وهنا لا يكون التعامل مع اليد كجسر تواصل بقدر ما يُحولها إلى “أيقونة” منفصلة عن الجسد، تختصر الجاه والحظوة والنعمة. هؤلاء السياسيون لا يحتاجون إلى خاتم مرصع ليعلنوا تميزهم، فباطن كفهم الناعم الذي لم تعرف يداك خشونته، وأصابعهم التي تبدو كأنها لم تقبض يوماً على شيء أثقل من قلم التوقيع، تتحدث بصوت أعلى من أي معدن ثمين. إنها تقول للجمهور… “انظر، أنا لم أعمل مثلك، يداي لا تعرفان التراب أو التعب، أنا من طبقة أخرى.” وكأن اليد هنا لا تُصافح بقدر ما “تُمنح” كهدية أو تكريم. في المصافحة مع مثل هذه اليد، لا تشعر بأنك تلمس جسداً بشرياً عادياً، بل تشعر كأنك تلمس قطعة من “السلطة المعتنى بها”. وبينما يحاول الديكتاتور القديم أن يخيفك بلمعان خاتمه، يحاول السياسي الجديد أن يُشعرك بـ”الفارق الطبيعي” بينك وبينه، فارق لا تحتاج لإثباته معادن، فارق تثبته نعومة كفه وصفاء بشرته. وهنا تكمن الدهاء… الأول يبحث عن الخضوع بالترهيب، والثاني يبحث عن القبول بالانبهار الصامت بالتفوق الجسدي المزعوم.
في المحصلة النهائية، يكشف لنا هذا التجوال في خارطة اليد الإنسانية حقيقة سيكولوجية واجتماعية بالغة الأهمية.. أن طريقة تعاملنا مع أطرافنا هي مرآة تعكس فلسفتنا الخفية تجاه الحياة والزمن والسلطة والآخرين. ليس المهم أن ترتدي ساعة أو خاتماً، ولكن المهم أي ساعة وأي خاتم، وفي أي سياق. فالتواضع الحقيقي لا يحتاج إلى ساعة ذكية يراها الناس، تماماً كما أن الاستعلاء لا يُخفيه ارتداء ساعة بسيطة إذا كان الجوهر مليئاً بالفخر والتباعد.
الإنسان المتوازن يرى في معصمه أداة لضبط إيقاعه مع العالم، وفي الوقت نفسه يترفع عن إثقال أصابعه بقيود المعادن ترفعاً حقيقياً عن حب السيطرة والاستعراض، ذلك لأن يده الحرة، الخفيفة، المتحركة، تقدر على البناء والإبداع أكثر مما تقدر يد مُثقَلة بأطواق الذهب. أما الطاغية، فيظل سجين معدنه إلى الأبد، يحاول أن يُخفي اهتزازه الداخلي خلف بريق الأحجار، ظاناً أن اللمعان يكفي لملء الهوة بين ادعاء العظمة وهشاشة الجوهر.
غير أن اليد، في نهاية المطاف، لا تكذب. فالإنسان يُكتب بيديه قبل أن يُكتب بكلماته. فانظر إلى اليد لتعرف صاحبها.. هل هي يد بانٍ تحكم قبضتها على أداة العمل، أم يد متسلط تتشبث بزخارف السلطة خشية أن تسقط؟ بعض الناس يحملون الزمن على معاصمهم، بينما يحمل آخرون إرادة غيرهم على أصابعهم. وبين المعصم والأصابع، تكتب اليد — بصمت كامل — سيرة صاحبها النفسية والسياسية.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
