بلة الغائب، والمشيروالبشير، (١ ـ ٣) .. بقلم: علي الكنزي
7 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
25 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم`
من رسائل النور والظلام
علي الكنزي
alkanzali@gmail.com
بلة الغائب،
والمشيروالبشير،
(١ ـ ٣)
هذه أولى تجاربي في استخدام قصص الخيال لإيصال رسالة للإنسان المعني بها، والقارئ الذي غابت عنه رؤية صورتها بشفافية ووضوح دون تجزئة.
أستخدم القرآن الأسلوب القصصي في بعض السور والآيات، وذلك ليبين من ورائها حكم ومواعظ علها تكون للإنسان هادياً ونبراساً في مسار حياته. فالقصة القرآنية تُثمل مخزوناً لتجارب مستقبلية لمن يريد التنبه من غفوتهوغفلته (.. وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، والوقوف والرجوع عند هذه القصص وتدبرها والتفكر بما توحي إليه تلكم القصص (… فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)، فالله يقص علينا أحسن القصص (… نحن نقصص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)، فقصة سيدنا يوسف بين أخوته آيات لنا،مع ابيه، ثم في البئر، ثم افتتان امرأة العزيز به، ومنه إلى السجن، ثم توليه لخزائن الأرض،وعفوه عن اخوته، ثم تهجيره لاسرته من البدو إلى المدينة بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين اخوته. كل موقف من هذه المواقف فيه دروس وعبر تستدعي الوقوف عندها، والتأمل فيما تكشف لنا من (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين). وهناك قصة موسى،إذ تلقيه أمه في اليم خوفاً عليه، وهذا ما لايتفق مع طبيعة الاشياء، كيف تلقي الأم طفلها في اليم لأنها تخافُ عليه؟ وكيف يخرق العبدُ الصالح السفينة وهم في عرض البحر؟!كيف تكون قصص الخيال أذن، إنه خيال واقعي وقعت أحداثه برواية القرآ،. إذن ليس هناك ما يمنع وقعوها طالما أن مُوقِعُها حي لا يموت. ثمأنظر لموسىعندما غدارجلاً قوياًيستغيثه الذي هو من شيعته على الذي هو من عدوه فوكزه موسى، ثم تأمل شهامته ومروءته ورجولته مع المرأتين اللتين قالتا (… لا نسقى حتى يُصْدِرَ الرعاءُ وأبونا شيخ كبير)، ثمتدبر أمره وهو نبياً مرسلاً يكلمه الله تكلمياً. ثم عد لقصة سليمان وعرش سبأ فهي خيال واقعي آخر. وما بالك بقصة نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المعية والسكينة الإلهية، إذ هو ثاني أثنين إذ هما في الغار. ثم ما بالك بالنجم إذا هوى، اليسفي صعوده وبلوغة مقام قاب قوسين أو أدنى خيال، ولكنه خيال واقع؟!!!
هي قصة فيها شفافية وروحانية لم يبلغها من قبل أنس ولا جان، ولكن بلغها النبي المكرم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي مازلنا نجهل قدره وننسى فضله. تلك روايات كاملة نعيد احداثها كلما تلونا كتاب الله بقليل من التبدر والتفكر والتمعن والدراية.
المثنوي لجلال الدين الرومي
اتباعاً لهذا النهج لم يجد أهل التصوف من حرج في استخدم القصص في مجالس علمهم وكتبهم، لإرسال رسائلَ تحوي حِكَمَاً ومواعظ لأتباعهم وللحكام والوزراء في زمان سطوتهم وعنفهم وسلطانهم الذي لم يجدوا من يجرؤ عليهم ويقول لهم: “اتقوا الله”.
من أراد أن يتزود من أدب القصة في التصوف، فعليه بقراءة المثنوي للشيخ العارف جلال الدين محمد بن محمد البلخي المشهور المشهور بجلال الدين الرومي. فتجد في كتابه (المثنوي) قصص قصيرة شائعة بين الناس، أعاد بنائها وصياغتها بشكل فني جديد، وأضاف لها من روحانيته وأسلوبه الخاص مما جعل من قصصه إبداعاًذو أبعادٍآخرى غير التي كانت ترمي إليه القصة في اصلها. فالقصة عند شخينا العارف جد قصيرة لا تعدُ مئة كلمة، ولكنها تحمل حكمة وطرفة وأدب وفِكْرَة وتَفَكُر، ودعوة لفاضل الأخلاق.
من طرائف ما قرأت له قصة الذئب والثلعب عندما خرجا في صحبة الأسد في نزهة صيد في صباح يوم باكر. فكان من حسن طالعهم أن اصطادوا جاموساً،وأرنباً ووعلاً. والوعل هو (تيس الجبل الوحشي). ذهب ثلاثتهم لظل شجرة لإقتسام الغنمية وتناول وجبتهم. عندما اتخذوا مجلساً، أمر الأسد الذئب الذي يجلس على يمناه بقسمة الصيد بينهم. فقال الذئب مبتدراً: ” أما الثعلب فلأنه أصغرنا حجماً وأقلنا جهداً،فله الأرنب، أما أنا فقد بليتُ بلاءً عظيماً في الإيقاع بالوعل والجاموس،لذا أحسب أن الوعل لي، أما الجاموس فهو لسيد الغابة ومليكها المفدى، تاج الزمان وعديم الأقران.
فإذا بالأسد يفاجئه بضربة قاضية بيمناه، أطاحت برأسه وهشمته قبل أن يكمل الذئب مقاله. والذئب يرفس برجليه وويديه وتهتز كل قطعة من جسده والرأس ينزف دماً، في رقصة الموت الأخيرة، فإذا بالأسد يلتفت نحو الثلعب القابع على يساره، ويرمقه بنظرة تنم عن امتعاض وغضب، ويوجه حديثه نحوه قائلاً: “أما الآن فعليك أن تقسم أنت بيننا”. فأجابه الثعلب في مكر ودهاء: “سمعاً وطاعة أيها الأسد الهصور، وإليك قسمتي يا حضرة الأمام، ومليك الزمان، وحامي حمى الوديان. أما الأرنب فإنها لأفطارك، والوعل لغدائك، ثم الجاموس لعشائك”. فتبسم ضاحكاً من قوله،وقال مخاطباً الثعلب: “ولكن قل لي بربك من هداك لهذه القسمة العادلة الذكية؟” فأجاب: ” هداني عليها رأس الذئب الذي طاح أمامي”، وفر هارباً يطلب النجاةواللجوء في غابة آخرى ليس فيها أسد.
(رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين).