كأنما لما يدرك غالبية السودانيين ما ينبغي عليه المشهد السياسي بعد الحرب الرعناء الهوجاء. فالحرب حرثت ، بل أحرقت التربة السياسية على نحو أفقد الزرع القديم جدواه والشجيرات النحيلة ظلالها. الواقع الراهن يستوجب بذورا جديدة و انباتا مغايرا .ذلك زمن القطيع السياسي والراعي الصمد. نطام مبنيٌّ على روح العشيرة، القبيلة ،فالحزب الواحد والرئيس الأوحد . لو لم يبرز لهم فرعونٌ لاخترعوه. فالنظام العتيق المتوارث يعظّم دور الفرد غير آبهٍِ بحال المؤسسة.حتى جماهير ثورة ديسمبر الشعبية البازخة لم تحطّم تلك الأصنام . بل اختلقت من حمدوك صنما جديدا. عندما التهمه العسكر انتكست الثورة برمتها. لأن جماهيرها لم تلتفت إلى أهمية بناء مؤسسات ثورية. الصفوة المتصارعة حاليا حول استمرار الحرب واطفائها لم تدرك بعد مواجهة الدولة بأسرها حتمية النهوض من تحت الركام أو الاستغراق في حضن الممات. لذلك يتصاعد جدل عقيم رهانا على مدى نجاح كامل ادريس فرعونا جديدا. لا صوت ينادي بأولوية إعادة بناء مؤسسات الدولة على نسق حداثي
الشعب السوداني داخل مأزق مأزوم لم يقترب من مثله عبر تاريخه غير السلس. فهو يعايش الطرد ، التشريد القسري والشتات العائلي في الداخل والمنافي الاضطرارية.بل الدولة بأسرها عند حافة مفترق هاويات . مع ذلك تزداد المسافات الفاصلة بين القوى السياسية المتصدعة تباعداً. ما يٌسمى بالنُخب لم تشعر بعد بالخطر المستشري في جسد الوطن على نحو يهدد وحدة الشعب و مشروعه الحياتي. النظام القابض بقوة السلاح على مقاليد الدولة المنهارة عاجزٌ عن إدراك المصالح الحقيقية للشعب. خطابه السياسي في حالة ارتباك يفتقد الحد الأدنى من التماسك المنطقي ،من ثم الاقناع.لذلك تتسع الفجوة بين السلطة والمواطن كل صباح ومساء.
صحيح تمكن الجيش من تفكيك معاقل لميليشيا الدعم السريع . لكن وتيرة العنف لا تزال تتسع وتتصاعد. أعداد الضحايا تتزايد .كُلف الخسائر تتواتر. معاناة الشعب لم تنفرج إن لم تزدد استحكاما تحت ضغط الاحباط المتحالف مع ضغوط المعاناة الحياتية. الكلام عن الاقتراب من انتصار حاسم يضع نهاية للحرب يتجاوز التعبير عن الأمنيات والأحلام إلى الغفلة السياسية. فالشعب لا يزال يقاسي صيفاً ملتهبًا بالأزمات والتبعثر. الأزمة المركزية للحرب لم تقاربها أي جهود جوهرية لجهة التفريج. المشهد الوطني كله مزروعٌ بألغام قابلة للانفجار وأخرى للتفجير. الحرب لم تكن يوماً خياراً للشعوب بغية حلحلة قضاياها الداخلية .بل هي إجراء تتبناه القيادات السياسية لحسم خلافاتها او خلافاتها مع آخرين .التسويات السياسية تظل أقل كلفةً و أسرع حسمًا. لنا في قضية الجنوب عبرة وعظة.
لو تجاوب نظام الانقاذ مع نداء نافذ الرؤى سكرتير الحزب الشيوعي الراحل محمد ابراهيم نُقد مطلع القرن الجديد بتنظيم حوار في شأن أزمة دارفور على نسق مشاكوس الخاص بقضية الجنوب لأخمدنا الحريق في الغرب وهو شرارة. أحداث دارفور وقتذاك في بدايات تشكلها أزمة. لكن النظام كان يُسيّر أمور البلاد والعباد خارج مؤسسات الدولة. لا يهم ما إذا كانت مفاتيح القرار بيد الرئيس الفرد ام بين أيدي اثنين ثالثهما الشيطان. تلك هيّ الأزمة . فنظام الانقاذ ظل رهين عقلية القطيع. بل بذل جهودا بغية تعميق ذلك النهج الشائه. فهو لم يكتف بتحطيم مؤسسات الدولة بل جنح إلى تعظيم دور الفرد -او ربما الشلة- في تبني القرارات والسياسات. من أجل (تأصيل )ذلك النهج عمد إلى استيقاظ العشائرية والقبلية والطائفية فمحق مؤسسية الدولة.
أي رئيس وزراء يستهدف كتابة تاريخ مجيد عليه أولا إعادة الشأن العام إلى قنوات مؤسسات الدولة. ربما تُعين الأرضُ الخراب بفعل الحرب الرعناء على استثمار سياسي جديد . فمن يراهن على دور طليعي لرئيس الوزراء المسمى فليكن معياره مدى تهشيم الفرعون و عقلية روح القطيع . هذه مهمة لا يعتمد نجاحها على حكومة رشيقة او مترهلة.حتى ما يتم ترويجه على أنه بشاير للتغيير ؛ استبدال أسماء وزارات ودمج أُخريات والغاء بعضهن فإنما يتم بعقلية الفرعون كما يكرّس روح القطيع. فإعادة بناء دولة لاتزال تحت الأنقاض و الركام لا يتم وفق رؤية مصدرها الاجتهاد الفردي تضع الدولة كلها قيد التجريب .نحن لانحتاج فقط إلى استرداد المؤسسية ، بل لابد من ترميم هشاشة البنى السوسيولوجية وشد أواصرها داخل إطار الوحدة الوطنية. هذا انجاز لن يتأتى مالم يحدث انسجام أو على الأقل تنسيق بين القوى السياسية. لهذا فإن دور رئيس الوزراء في هذه المرحلة الحرجة لايقتصر على العمل التنفيذي.
ربما هو أجدى لنا و لكامل ادريس لو حاول بدلاً عن الجولات بين القواعد العسكرية والموسسات الخدمية السعي للتواصل بين القوى السياسية بحثا عن الاصطفاف الوطني. كما هو أنفع فيما لو استهدف تشكيل فريق عمل (رشيق) يعالج مسألة اعادة بناء هيكل الدولة بدءا من السلطة التنفيذية .بغض النظر عن النتائج ففي مثل هذه المحاولات ما يؤشر إلى منهج لاستبدال عقلية المؤسسة بروح القطيع. مثل هذه الخطوات لا تخرج كامل ادريس فقط من ثكنة حاضنته العسكرية.بل تنزع عنه وصمة أنه ابن الأنظمة الشموليه. أكثر من ذلك تسبغ عليه هالة من كاريزما مطلوبة في إلحاح للقيادات الوطنية في مستقبل منقطع عن سيرورة روح القطيع والراعي .الرهان الوطني لا يحمّل كامل ادريس فقط قيادة السلطة التنفيذية .الأولية لتفكيك الاستعصاء السياسي. ربما قبل ذلك استرداد السلم الوطني ثم العمل العام بروح الفريق داخل المؤسسة.هذه بوصلة النجاح لأي رئيس وزراء يرغب في (العبور و الانتصار). فهل يملك كامل ادريس مثل هذه البوصلة!
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
بقلم عمر العمر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم