جاء في بيان الآلية الخماسية الصادر في أديس أبابا بتاريخ 5 يونيو 2026، أنها أجرت مشاورات مع طيف واسع من الأطراف السياسية والمدنية السودانية خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو، تناولت السبل الممكنة لتشكيل لجنة تحضيرية لحوار سياسي سوداني–سوداني شامل.
ويُفهم من البيان أن الهدف هو الدفع نحو إطلاق مسار حوار وطني شامل عبر هذه اللجنة التحضيرية، في إطار ما وصفته الآلية بأنه مشاورات “مثمرة”.
غير أن تقييم هذه النتائج في ضوء الواقع السياسي السوداني يثير قدراً كبيراً من التساؤل حول جدواها الفعلية. فالسودان لا يزال يعيش حرباً مدمرة وانقساماً سياسياً واجتماعياً عميقاً، بينما تتكرر المبادرات الدولية والإقليمية دون أن تنعكس بشكل ملموس على الأرض في صورة وقف مستدام للقتال أو مسار سياسي مستقر.
وتكمن الإشكالية الأساسية، من وجهة نظر عدد من المراقبين، في الافتراض القائم على إمكانية إنجاح حوار شامل دون معالجة جذور الصراع البنيوية، أو دون وجود ضمانات واضحة لالتزام القوى المسيطرة فعلياً على أدوات القوة بمخرجات أي تسوية سياسية.
وفي هذا السياق، تشير بعض القراءات إلى أن التجربة السودانية الممتدة منذ سقوط الديمقراطية الثالثة على يد جماعة الإخوان المسلمين وما تلاها من دورات متكررة من الصراع والانقلابات والحروب، قد أظهرت محدودية التعويل على الحوار وحده كمدخل كافٍ لتحقيق السلام، ما لم يقترن بإصلاحات عميقة في بنية الدولة وآليات الحكم وضمانات انتقال السلطة.
ولإيضاح تعقيد العلاقة بين القوة السياسية والدولة، تُستحضر أحياناً الحالة الجزائرية في مطلع التسعينيات. ففي تلك المرحلة، وبعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات المحلية والتشريعية، برز خطاب سياسي حاد داخل قياداتها، ومن أبرز رموزه الشيخ علي بلحاج، أحد القيادات البارزة في الجبهة، والذي نُقل عنه في خطبه وتصريحاته أن هذا الفوز لا يُنظر إليه فقط كاستحقاق انتخابي، بل كتعبير عن إرادة شعبية لتطبيق مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية، مع رفض واضح لفكرة القوانين الوضعية كما طُرحت في الخطاب السياسي السائد آنذاك. وقد أسهم هذا السياق، مع عوامل أخرى، في تعميق الأزمة السياسية التي انتهت بتدخل الجيش وإيقاف المسار الانتخابي، في ظل مخاوف متبادلة من انهيار الدولة وهو ما يحدث فى السودان، أو تحول الصراع فى ذلك البلد إلى مواجهة مفتوحة.
ويُطرح، في ضوء ذلك، سؤال جوهري حول مدى واقعية الحديث عن حوار شامل في السودان في ظل استمرار الحرب، وتعدد مراكز القوة، وغياب الثقة بين الأطراف الفاعلة بسبب سيطرة تنظيم الاخوان المسلمين على الجيش والأجهزة الأمنية .
إن أي عملية سياسية مستقبلية، بحسب هذا التصور، لن تكون ذات معنى ما لم تُبنَ على إدراك واقعي لطبيعة الصراع، ومعالجة جذوره البنيوية، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج مسارات تفاوضية لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج مستدامة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
