بين التوقيع والبندقية: العقل السياسي الذي يعيد إنتاج الحرب في جنوب السودان

بقلم: لوال كوال لوال
حين ننظر إلى مسار السلام في جنوب السودان منذ الاستقلال، نكتشف أن المشكلة لم تكن فقط في غياب الاتفاقيات، بل في نوعية العقلية التي تُنتج تلك الاتفاقيات وتديرها. فهناك نمط متكرر من صناعة السلام بوصفه تكتيكاً سياسياً مؤقتاً، لا مشروعاً وطنياً استراتيجياً طويل المدى. هذه العقلية تُوقّع على السلام لكنها تُبقي أبواب الحرب مفتوحة، وتبني جسور المصالحة بيد، بينما تحفر خنادق الشك والعداء باليد الأخرى. لقد تحوّل السلام في كثير من اللحظات المفصلية إلى وسيلة لإعادة ترتيب ميزان القوى، لا إلى نقطة تحول في تاريخ الدولة. تُستخدم المفاوضات لالتقاط الأنفاس، ولإعادة التموضع السياسي والعسكري، ولحشد الدعم الخارجي أو الداخلي، ثم سرعان ما تتآكل الثقة وتنهار التفاهمات. هذه الدورة المفرغة تكشف أن الأزمة ليست فقط في بنود الاتفاقيات أو في آليات تنفيذها، بل في الذهنية التي ترى في السلام مجرد محطة عبور نحو صراع آخر. العقلية التي تصنع السلام من أجل نقضه تقوم على عدة مرتكزات. أولها الاعتقاد العميق بأن السلطة لا تُحمى إلا بالقوة، وأن التنازل في لحظة التفاوض قد يعني خسارة نهائية في المستقبل. لذلك يُقدَّم السلام في الخطاب العام كضرورة مرحلية أو استجابة لضغوط دولية، لا كخيار وطني نابع من إرادة سياسية صادقة. وعندما يتغير ميزان القوى أو تتبدل الظروف، يصبح نقض السلام مبرَّراً بوصفه تصحيحاً لمسار أو استعادة لحقوق ضائعة. المرتكز الثاني يتمثل في ضعف المؤسسات. فالدولة التي لم تترسخ مؤسساتها بعد تصبح رهينة للأفراد وللتحالفات المؤقتة. وفي غياب مؤسسات قوية قادرة على فرض سيادة القانون، يتحول تنفيذ الاتفاقيات إلى مسألة مزاج سياسي أو قدرة عسكرية. وهذا ما يجعل السلام هشاً بطبيعته، لأنه يعتمد على النوايا أكثر مما يعتمد على القواعد الملزمة. كما تلعب الذاكرة الجماعية المثقلة بالحروب دوراً حاسماً في تكريس هذه العقلية. فالمجتمعات التي عاشت طويلاً في ظل الصراع تصبح أكثر ميلاً لتوقع الأسوأ، وأقل استعداداً للثقة في الخصوم. وتتحول الهوية القبلية أو الجهوية إلى ملاذ نفسي وأمني في مواجهة عدم اليقين. في مثل هذا السياق، يصبح السلام مشروعاً نخبوياً لا يجد جذوره في المجتمع، فيبقى قابلاً للانهيار عند أول أزمة. من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل دور الاقتصاد السياسي للحرب. فهناك شبكات مصالح نشأت في ظل النزاع، واستفادت من استمرار الفوضى وغياب الشفافية. هذه الشبكات ترى في الاستقرار تهديداً مباشراً لنفوذها ومكاسبها، لذلك تعمل – بشكل مباشر أو غير مباشر – على إبطاء تنفيذ الاتفاقيات أو خلق أزمات تعيد إنتاج حالة الطوارئ. وهكذا يصبح السلام معركة خفية بين من يريدون بناء الدولة ومن يخشون خسارة امتيازاتهم. العامل الإقليمي والدولي بدوره يساهم في تعقيد المشهد. فحين تتعدد الرعايات والضغوط، قد يجد بعض الفاعلين السياسيين فرصاً للمناورة بين القوى المختلفة، مستفيدين من تناقض مصالحها. وفي ظل هذا التداخل، يتحول السلام إلى ملف تفاوضي مفتوح، يخضع لحسابات خارجية بقدر ما يخضع للحسابات الوطنية. وهذا يضعف الإحساس بالملكية المحلية للعملية السلمية، ويجعل الالتزام بها أقل عمقاً. تجربة السنوات الماضية أظهرت أن التوقيع على الاتفاقيات لا يكفي لإيقاف منطق الحرب. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى إعادة تعريف للسياسة نفسها: من صراع صفري على السلطة إلى تنافس ديمقراطي على خدمة المواطن. كما يحتاج إلى إصلاحات جذرية في قطاع الأمن، بحيث تتحول الجيوش والقوات المسلحة من أدوات ولاء شخصي أو قبلي إلى مؤسسات وطنية مهنية. بدون ذلك، سيظل خطر الانقسام المسلح قائماً، حتى في ظل وجود حكومة وحدة أو ترتيبات انتقالية. كذلك فإن العدالة الانتقالية تُعد عنصراً محورياً في كسر دائرة السلام المؤقت. فالإفلات من العقاب يرسل رسالة مفادها أن الحرب يمكن أن تتكرر دون تكلفة حقيقية. أما محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، والاعتراف بالمعاناة المشتركة، فهي خطوات ضرورية لبناء ثقة مستدامة. السلام ليس فقط وقف إطلاق نار، بل هو عملية شفاء اجتماعي وسياسي طويلة. ولا يمكن تحقيق هذا الشفاء دون إشراك المجتمعات المحلية. فالمصالحات التقليدية، والحوار بين القيادات المجتمعية، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة في صنع القرار، كلها أدوات تساعد على تحويل السلام من وثيقة سياسية إلى واقع يومي ملموس. عندما يشعر المواطن بأن حياته تحسنت، وأن الخدمات وصلت إليه، وأن صوته مسموع، يصبح أكثر استعداداً للدفاع عن الاستقرار وأقل قابلية للانجرار نحو العنف. الإعلام أيضاً يلعب دوراً مزدوجاً في هذا السياق. يمكن أن يكون منصة لبناء الثقة ونشر ثقافة التسامح، لكنه قد يتحول إلى أداة للتحريض وتكريس الانقسامات. لذلك فإن مسؤولية النخب الثقافية والإعلامية كبيرة في إعادة صياغة السردية الوطنية، بحيث تُبرز المشتركات وتُخفف من لغة التخوين والتجييش. فالكلمات قد تكون أحياناً أخطر من الرصاص في تقويض السلام. ومن المهم الإشارة إلى أن بناء السلام المستدام يتطلب رؤية اقتصادية واضحة. البطالة، والفقر، وضعف البنية التحتية، كلها عوامل تغذي الإحباط وتزيد من قابلية الشباب للانخراط في النزاعات المسلحة. الاستثمار في التعليم، والزراعة، والتنمية المحلية ليس ترفاً، بل هو جزء أساسي من استراتيجية الأمن الوطني. الدولة التي توفر فرص الحياة الكريمة لمواطنيها تقل فيها احتمالات العودة إلى الحرب. إن تغيير العقلية التي تصنع السلام من أجل نقضه ليس مهمة سهلة ولا سريعة. إنه مسار طويل يتطلب شجاعة سياسية، وضغطاً مجتمعياً، ودعماً إقليمياً ودولياً متوازناً يحترم السيادة الوطنية. كما يتطلب قيادة تؤمن بأن التاريخ لا يُكتب بالبندقية فقط، بل يُكتب أيضاً بالقدرة على التسامح وبناء المستقبل المشترك. في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل يريد قادة وجماهير جنوب السودان سلاماً دائماً أم سلاماً مؤقتاً؟ الإجابة على هذا السؤال لا تُقال في الخطب ولا تُكتب في البيانات، بل تُثبتها الأفعال اليومية في إدارة السلطة، وفي التعامل مع الخصوم، وفي احترام كرامة المواطن. السلام الذي يُبنى على الخوف سينهار عند أول اختبار. أما السلام الذي يُبنى على الثقة والعدالة والتنمية فسيصمد، لأنه يصبح جزءاً من هوية الدولة والمجتمع. وعندما تتحول ثقافة السلام إلى قناعة راسخة، لن يكون هناك من يصنعه ليُنقضه، بل سيكون هناك شعب كامل يحميه لأنه يرى فيه مستقبله الوحيد الممكن.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الميليشيات القبلية في جنوب السودان: التسليح والجذور التاريخية وتأثيرها على مسار الصراع

بقلم: لوال كوال لوالتُعد ظاهرة الميليشيات القبلية في جنوب السودان من أكثر القضايا تعقيدًا في …