د أسامة محي الدين خليل
حين نتحدث عن سنغافورة، نتحدث عن دولة مساحتها 580 كيلومتراً مربعاً، لا تملك نفطاً ولا ماءً ولا تاريخاً طويلاً، لكنها اليوم ثالث أغنى دولة في العالم بمتوسط دخل فردي يقارب 84 ألف دولار . وحين نتحدث عن السودان، نتحدث عن دولة تملك النيلين، ومساحة تقارب مليون ميل مربع، و45 مليون شاب، لكنها تستورد حتى كيس الخضار.
المفارقة ليست في الموارد. المفارقة في الموقع. سنغافورة لم تنهض لأنها ذكية، بل لأنها عرفت كيف تقرأ موقعها. تقع على مضيق ملقا، أهم ممر بحري في العالم، حيث يمر ثلث التجارة العالمية . لم تكن تملك بضاعة، فباعت نفسها كمعبر. لم تكن تملك ميناء عميقاً فقط، بل بنت نظاماً قانونياً يجعل عبور البضائع أسهل وأرخص وأسرع . الجغرافيا منحتها فرصة واحدة، فحولتها إلى صناعة.
السودان، من موقع الجغرافيا، يملك ما هو أكبر: ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو المنفذ الطبيعي لشرق أفريقيا بأكملها. لكن الجغرافيا لا تمنح شيئاً مجاناً. الموقع يصبح ثروة فقط إذا تحول إلى بنية تحتية وقانون وتسهيلات. سنغافورة لم تصبح مركزاً بحرياً بمجرد موقعها، بل استثمرت في الميناء والخدمات اللوجستية وتسهيل التجارة حتى أصبح العبور عبرها أسهل من أي مكان آخر .
وهنا يظهر الفرق. مع الحرب، انكمش اقتصاد السودان بأكثر من 40%، وفقدت البلاد جزءاً كبيراً من قدرتها الإنتاجية. لكن الأرقام الرسمية تكشف مفارقة أهم: أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي في السودان يقع خارج المظلة الضريبية . هذه ليست مشكلة ضريبية فقط، بل مشكلة جغرافية بالدرجة الأولى: نشاط اقتصادي ضخم موجود على الأرض، لكنه غير مرئي للدولة.
سنغافورة في الستينيات، وهي أفقر من السودان اليوم، لم تبدأ بملاحقة الفقراء لتحصيل الضرائب. بدأت بجذب رأس المال عبر خفض تكلفة ممارسة الأعمال، وضمان حقوق المستثمر، وبناء ثقة قانونية . الدخل الضريبي جاء لاحقاً، بعد أن نما الاقتصاد، لا قبل ذلك.
السودان اليوم يطلق حملات لتوسيع المظلة الضريبية بينما لا يزال أكثر من 11 مليون شخص نازحين، وثلث الشركات مغلقة. هذا يشبه مطالبة شخص يتضور جوعاً بتقديم إقرار ضريبي قبل أن يأكل.
لكن السودان لا يحتاج إلى نسخ سنغافورة. هذا مستحيل. سنغافورة دولة-مدينة، وسنغافورة لم تكن يوماً في حالة حرب أهلية ممتدة. ما يحتاجه السودان هو الاستفادة من المنطق، لا من التجربة.
المنطق يقول: الجغرافيا لا تكفي وحدها. سنغافورة كانت ستفشل لو اكتفت بموقعها. كان لا بد من إرادة سياسية ترفض الرشوة وتحمي المستثمر وتستثمر في الإنسان . والمنطق نفسه يقول إن السودان، بموارده وموقعه وسكانه، لديه من المقومات ما لا تملكه سنغافورة أصلاً. المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في العجز عن تحويل الموارد إلى نظام.
من موقع الجغرافيا، أقرب مسار للسودان ليس تكرار سنغافورة، بل بناء البنية التحتية للثقة: قضاء مستقل، جمارك رقمية، ميناء بورتسودان يتحول إلى مركز عبور لشرق أفريقيا، وإعفاءات ضريبية انتقائية للقطاعات المنتجة كالزراعة والصمغ العربي بدل مطاردة الاقتصاد غير الرسمي.
سنغافورة بدأت من لا شيء، لكنها بدأت من قرار. السودان لا يبدأ من لا شيء. يبدأ من ركام، لكن الركام أرض صالحة للبناء، إذا وُجد من يملك الجرأة على وضع الحجر الأول.
