خيط النور
ماذا لو كنّا مثل غريغور سامسا؟
حين صوّر كافكا في روايته ‘المسخ’ ذلك الصباح الذي نهض فيه ليجد جسده قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، لم يكن يرسم غرابة المشهد فحسب، بل كان يفتح بابًا على ما يعتمل في أعماق الإنسان حين تثقله الواجبات وتخنقه الرتابة. هناك، حيث تصبح أبسط الرغبات بعيدة، ويغدو الجسد نفسه قيدًا يحيط بالروح، فتتأرجح كل حركة بين الشوق والعجز. وحين تلتقي العيون بعيونه، لا تمده بالدفء، بل تزيده عزلة، فينكمش على صمته مسدلًا على نفسه ستارًا من البرودة!
وعلى الضفّة الأخرى، تتراءى صورة معكوسة، كأنها وعد بالراحة: إنسان جاء إلى عالم يلبي له كل مطلب، تحفّه النعم من كل صوب، فلا يعرف للحرمان طعمًا، ولا يذوق للألم أثرًا. تبدو هذه الجنة الصغيرة هبةً كاملة، لكنها فخّ ينسج خيوطه في صمت. فالوفرة، التي تعصم من التعب، تسجن الروح في قفصٍ من الاكتفاء، وتغدو الراحة ذاتها قيدًا شفافًا، لا يُرى، لكنه لا يُكسر.
غريغور يتقلب بصعوبة على ظهره، مثقلاً بجسده العاجز، كأنما الحياة انسكبت فوقه أثقالاً من واجبات وعزلة. وفي الجهة الأخرى، إنسان يتمدد في سريره الوثير، يتقلب بحرية، لكن يومه فارغ، وروحه تنقب عن معنى يتسرب منها. في الحالتين، يولد اغتراب داخلي، خواء صامت يبتلع الألوان، ويترك النفس في مواجهة صمتٍ كثيف من الضياع.
وفي صمت الغرفة الضيقة حيث يرقد غريغور، يغدو العمل مرآةً لمعاناته؛ كل مهمة تحمل طعم الرتابة، وكل واجب يقطر حرمانًا. وعلى الضفّة الأخرى، في قصرٍ أو جناحٍ فخم، يتبدّى اغتراب مختلف: كل رغبة ملبّاة، وكل حاجة محققة، حتى يغدو السعي بلا معنى. كلاهما غريب في عالمه؛ ذاك أسير جسده، وهذا أسير وفرةٍ لا تنتهي، فالقيود، مهما اختلفت أشكالها، تلتقي في القلب ذاته.
المفارقة أن الطريقين، على اختلافهما، يلتقيان في المصير ذاته، عملٌ بلا حياة يذبل الروح، وراحةٌ بلا غاية تذيب الشغف. غريغور سامسا، والإنسان الآخر، يلتقيان في صمت النهاية نفسها؛ حيث يتساقط معنى الوجود من بين أيديهما، تاركًا انكسارًا داخليًا لا تحتمله الكلمات.
وإذا أمعنا النظر في المجتمع، تتسع المفارقة أكثر. فغريغور يُرى غريبًا، ككائن يشكل تهديدًا للنظام اليومي، بينما الآخر، رغم أن الراحة تحيط به، قد يلقى الازدراء أحيانًا أو التعاطف، لكنه غالبًا يوقظ شعورًا مزدوجًا من الحسد والخوف: الحسد لتمتعه بما يُفتَقد، والخوف لأنه غريب عن مفهوم الجهد والمعنى. وهنا تتجلّى الحقيقة العميقة: ما يُرفَض في الآخرين، وما يُحتقَر أو يُخشَى، ليس سوى مرآة لما نكتمه في داخلنا، أو ما زرعناه في بيوتنا بلا وعي.
في بيوتنا، تتجلّى هذه المفارقة في أصدق صورها عبر تربية الأبناء. فالدلال المفرط يغذي روحًا بلا سعي، والحرمان أو النقد المستمر يولّد خوفًا من الضعف، فيصبح الطفل إما آخرًا بلا هدف، أو غريغوريًا بلا ثقة، ليعيد إنتاج اغتراب الروح في جيل جديد بلا وعي. والوالد، في ظنه يمنح الحب أو الأمان، قد يكون في الحقيقة يزرع القيد الأول، أو يخلق فجوة بين الطفل ونفسه، وبين الطفل والعالم من حوله.
وهكذا، يتضح أن غريغور سامسا، والآخر، والطفل في بيوتنا، ليسوا حالات متباعدة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة: كلنا معرضون للاغتراب، كلنا قد نصبح أبطالًا لرواية مسخ صامتة، حين نفقد الاتصال بالمعنى، وتغيب الثقة بالنفس، ويتسلل الخوف أو الوفرة بلا جدوى إلى قلوبنا.
الحياة تكسب معناها حين نتجرأ على السعي، نخطئ ونصحح، نحب ونتحمل، نسمح لأنفسنا بأن نشعر. ليس بالضرورة أن تكون إنجازاتنا عظيمة، فربما يكفي أن نمشي بخطوات صغيرة، مملوءة حضورًا ووعيًا، حتى يتحول كل يوم إلى نافذة لمعنى جديد. الغربة لا تأتي دائمًا من القيود أو الوفرة، لكنها أحيانًا من الانفصال عن ذواتنا، ومن صمت القلب أمام ما يستحق أن نعيشه.
ومع كل هذا، يظل السؤال يطرق أعماقنا:
ماذا نفعل، إذا وجدنا أنفسنا فجأة، مثل غريغور… أو مثل الآخر؟
وهل يكفي أن نمد أيدينا نحو المعنى، لنخرج من الاغتراب، ونجد في صمتنا مكانًا للدفء، وفي خطواتنا الصغيرة موطنًا للحرية؟
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم