في وقت تتساقط فيه الأنباء عن مجاعات ونزوح يقترب من 13 مليون شخص ، يأتي طرح رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أمام مجلس الأمن الدولي ليس كبادرة سياسية عابرة، بل كضرورة وجودية لبلد على حافة الانهيار الكامل.
الخطة التي تضمنت وقفاً دائماً لإطلاق النار، وسحب المقاتلين من المناطق المدنية، والانتقال إلى حكم مدني تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم انتخابات حرة ونزيهة — هذه ليست تنازلات، بل هي شروط البقاء.
لماذا هذا الطرح يستحق التأييد؟
أولاً: لأنه يبدأ من حيث يجب أن يبدأ أي سلام — وقف القتل.
لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار، ولا عن استثمار، ولا عن نهضة اقتصادية، بينما تسقط الطائرات المسيرة على محطات الوقود ومحطات المياه، وبينما تُدمر شاحنات المساعدات في الطرق . في النصف الأول من عام 2026 وحده، وثقت الأمم المتحدة مقتل 1,120 مدنياً في ضربات مسيرة، شكلت 80% من إجمالي الوفيات المدنية الموثقة . أي حديث عن مستقبل بلا وقف لهذا النزيف هو وهم.
ثانياً: لأنه يرفض تكريس واقع الاحتلال العسكري للمدن.
البرهان اشترط الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، وليس انسحاباً جزئياً كما اقترحت بعض الصيغ الدولية . هذا الموقف ليس تعنتاً، بل هو الحد الأدنى لاستعادة الدولة. لا توجد دول في العالم نهضت وكانت بهل مليشيات مسلحة تحتل شوارعها وتفرض حكماً موازياً. لا يوجد اقتصاد مزدهر في ظل السلاح المنفلت.
ثالثاً: لأنه يضع الحوار في الداخل، وليس في الخارج.
دعوة البرهان إلى حوار “سوداني-سوداني” وصياغة الدستور بأيدٍ سودانية داخل البلاد ، تعكس فهماً بأن الحلول المستوردة لا تدوم. تجربة سنغافورة نفسها، رغم أنها استفادت من الانفتاح العالمي، كانت قراراتها الكبرى “محلية” بامتياز: لي كوان يو رفض النموذج الغربي الجاهز، واختار ما يناسب مجتمعه. السودان يحتاج أن يكتب دستوره بنفسه، لا أن يُكتب له من جنيف أو واشنطن.
رابعاً: لأنه يعيد الجيش إلى مهمته الأصلية.
النص على “جيش وطني موحد يخضع للإشراف المدني، بدلاً من القوات الموازية” ، هو تأسيس لعقد جديد. تاريخ السودان الحديث ظل مشوهاً بوجود جيوش متعددة خارج إطار الدولة — من الدعم السريع الذي أنشأه البشير، إلى الجماعات التي سلحها البرهان لاحقاً . لا يمكن لدولة أن تُبنى بمؤسسة أمنية واحدة تحت سيطرة مدنية. هذا ليس ترفاً سياسياً، بل شرط سيادة.
لكن… التأييد لا يعني التجاهل
الخطة تستحق الدعم، لكنها تستحق أيضاً المراقبة. هناك من يرى أن الإعلان عنها جاء متأخراً، وأن البرهان ظل لسنوات يرفض التفاوض ويتمسك بالحسم العسكري . هذا صحيح. لكن السؤال ليس “لماذا الآن؟”، بل “هل هذا هو الطريق الوحيد المتاح الآن؟”
البديل عن هذه الخطة هو استمرار القتل، وتوسع المجاعة، وانهيار ما تبقى من مؤسسات. في سبتمبر 2026، حذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن نظام الإغاثة الإنساني قد ينهار “خلال أسابيع” إذا لم يتوفر التمويل . هذا ليس وقت الحسابات السياسية الضيقة.
السلام الذي يطرحه البرهان ليس سلاماً مثالياً. لكنه سلام ممكن. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين البقاء والاندثار.
نحو نهضة: ما بعد وقف النار
في مقال سابق، تحدثنا عن سنغافورة والسودان، وعن أن الجغرافيا لا تكفي وحدها. لكن هناك شرط مسبق لم نتحدث عنه بما يكفي: لا نهضة في ظل الحرب. سنغافورة لم تنهض أثناء صراع مسلح، بل بعد أن استتب الأمن. السودان لا يحتاج إلى وصفة اقتصادية جديدة، بل إلى وقف القتال أولاً، ثم بناء الثقة، ثم الانفتاح.
الخطة التي طرحها البرهان — بمراحلها الأربع: وقف النار، سحب المقاتلين، حوار سوداني-سوداني، ثم انتخابات — هي الترتيب المنطقي الوحيد لأي انتقال حقيقي. أي محاولة للقفز فوق هذه المراحل، أو البدء من النهاية، ستنهار كما انهارت كل المحاولات السابقة.
السودان يستحق أكثر من هذه الحرب. يستحق أن يبدأ من جديد. وخطة البرهان، بكل ما فيها من نقص، هي الباب الوحيد المفتوح اليوم نحو ذلك البداية.
