ahmed.elyas@gmail.com
اتسمت العلاقات السودانية المصرية بالصراع والحروب المتواصلة منذ بدية الصلات بين البلدين في العصور القديمة وحتى القرن التاسع عشر الميلادي. وسأحاول رسم صورة مصغرة لتأريخ ذلك الصراع مرتباً أحداثه زمنياً اعتماداً على المعطيات التاريخية الموثقة. وليس الغرض من ذلك تأجيج الصراع بين الجانبين، بل الغرض منه التعرف على خلفية تلك العلاقات بما يمكننا من النظر إليها من منطلق صورتها الحقيقية وتقييمها تقييماً سليماً يساعدنا على بناء علاقتنا على استراتيجية تستند على الحقائق والوقائع التاريخية لا على العواطف والخداع.
ويمكن تقسيم تاريخ الصراع والعلاقات بين السودان ومصر حتى القرن السابع الميلادي إلى قسمين:
القسم الأول: يبدأ بالفترة الواقعة بين قيام الدولة المصرية في القرن 32 ق م وحتى نهاية عصر الدولة الحديثة في القرن 11 ق م والذي يمثل نهاية العصر الفرعوني في تاريخ مصر القديم. ونطلق عليه: تاريخ الصراع في العصر الفرعوني
والقسم الثاني: يتتبع العلاقات بعد هذه المرحلة إلى الفترة التي أطلق عليها المصريون اسم فترة “الحكام الأجانب في مصر” والتي تمتد مرحلتها المبكرة من نهاية العصر الفرعوني وتنتهي بالفتح الاسلامي وتشمل القرون 11 ق م – 7 م.
الفترة الأولى بين القرنين 32 – 11 ق م
تاريخ الصراع في العصر الفرعوني ويمكن تناول هذا القسم من خلال المراحل التالية:
1. الصراع بين القرنين 32 – 22 ق م
2. الصراع بين القرنين 22 – 18 ق م
3. الصراع بين القرنين 18 – 11 ق م
تاريخ الصراع بين القرنين 32 – 22 ق م
تتناول هذه الفيرة تاريخ الصراع بين السودان ومصر في عصر حكم الأسر المصرية الست الأولى. وقد سادت هذه الفترة الحروب المتتالية التي شنها المصريون على السودان كما وثقتها الآثار المصرية القديمة نتناول منها ما يلي:
عصر الأسرة الأولى: حملة عسكرية على السودان في عهد الملك مينا أول ملوك الأسرة الأولى. وجاء في لوحة عحا ثاني ملوك الأسرة الأولى إشارة إلى حملته “لضرب تاستي” أي السودان.( Breasted, P 36.) وواصل الملك جر أعمال سلفه الحربية بالهجوم على السودان. وكان المؤرخون يعتبرون نقش جبل الشيخ سليمان جنوب وادي حلفا يرجع إلى عصرها الملك، إلا أن كثر من المؤرخين رأوا أنه لا يخص هذا الملك، بل هو عبارة عن حروب بين قادة أو ملوك محليين في المنطقة. (Breasted, P 36.) ويعلل أحمد فخري لهذه الحروب المبكرة قائلاً: “يدل ذلك على اهتمام ملوك الأسرة الآوى بتأمين حدود مصر الجنوبية وفتحهم المنطقة الواقعة جنوب الشلال الأول من أجل التجارة” (أحمد فخري، ص 79.)
عصر الأسرة الثانية: حملة عسكرية على السودان كما ظهرت فيما تبقى من لوحة النصر – التي عثر عليها مهشمة – للملك خع سخم من ملوك الأسرة الثانية تُبين كما وضح سليم حسن “صورة العدو المقهور على أمره ظاهرة وعلى رأسه العلامة لدالة على لفظة “ستي” وذكر أن عالمي الآثار إمري وكيروان يعتقدان أن حملة خع سخم هذه أدت إلى نهاية الثقافة أ A-Group. (سليم حسن، ص 16)
عصر الأسرة الثالثة: شيد ملوك هذه الأسرة حصون في الفنتين (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 15) لتعزيز قدراتها الدفاعية على الحدود
عصر الأسرة الرابعة: شن الملك سنفرو – والد خوفو مؤسس الهرم الأكبر – حملة عسكرية كبرة على السودان ذكر فيها أنه “دمر بلاد السود وأتى بـ 7000 أسير من الرجال والنساء و 200000 ألف رأس من الماشية الصغيرة والكبيرة.” (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 17)
عصر الأسرة الخامسة: وُجِدت آثار للملكين ساحورع واسي في منطقة توماس شمال وادي حلفا وأسماء موظفين تضمنت ألقاب المشرف على الجنود والمشرف على السفينة تشير إلى أعمال حربية وقعت في هذه المناطق. (سليم حسن ص 20)
عصر الأسرة السادسة: وُجِد نقش في أول عصر هذه الاسرة في منطقة الفنتين يشير إلى تفتيش الحدود للوقوف على مدى قدراتها الدفاعية. وفي رحلته الثالثة أخضع حرخوف بلاد يام وتمحو. وذكر بيبي نخت أن جلالة الملك بيبي الثاني “أرسبني لأخرب بلاد ارثت … فذبحت منهم عدداً عظيماً ومن بينهم أولاد الرؤساء والضباط المتفوقين من المحاربين … ثم أرسلني جلالته لتهدئة الأحوال في هذه الممالك.” وكون القائد وني جيشا من مناطق ارتث ومزاوي ويام وواوات وكاو وبلاد تمحو. كما وذكر وني أن “أمراء ارثت وواوات ويام والمزاوي يوردون الخشب لصناعة السفن” (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن صفحات 21، 27، 30، 34، 38 )
ويرى المؤرخون أن السبب الرئيس وراء تلك الحروب هو الوصول إلى مصادر ثروات السودان المتنوعة مثل الذهب والثروة الحيوانية والغابية. يقول سليم حسن (ص 122)
“كان هم المصري في بلاد النوبة منحصراً في استغلال مواردها الغفل وبخاصة مناجم الذهب التي كانت تزخر بها تلك الجهات، وكان على المصري للحصول على ذلك إما أن يستغل النوبي بطريقة منظمة فيستولي على ما في يديه من مواد غفل باعتبارها ضريبة يدفعها له، أو كان يعمل بالتعاون معه لاستخراجها، أو على الأقل كان لا يُمنع من الحصول على هذه المنتجات.”
ويرى عالم الآثار جيمس بيكي “أن المصري أصبح في الأيام الأخيرة من عمر المملكة القديمة [حتى عصر الأسرة 6] كما رأينا مراراً وتكراراً يعتبر النوبي بربريا وغير متحضر بالنسبة إليه. وحيث كان يرى بلاد النوبة بلاداً مجهولة لابد من الولوج فيها والسيطرة عليها واخضاعها بغية الاتصال بالسودان والانتفاع بمنتجاتها وخيراتها” ويواصل بيكي ” بيد أن رحلات أمراء وبارونات ألفنتين المستمرة إلى بلاد النوبة قد جعلت الشعب المصري يتعرف تدريجيا على خصائص تلك البلاد الواقعة وراء الشلال الأول.” (جيمس بيكي، ص 11)
نتائج تلك الحروب
أدت بداية تلك الحروب إلى ضعف وانهيار مملكة تاستي، ثم ترتب على الحروب المتواصلة واستغلال ثروات البلاد المعدنية والزراعية والحيوانية إلى الحراك السكاني المتواصل وغياب المناخ الضروري للاستقرار مما أدى إلى ضعف البناء الاجتماعي والاقتصادي المطلوب لتطور الأنظمة السياسية. فلم تتمكن الأنظمة السودانية القائمة من توحيد البلاد والعمل على التنمية والتطور كما حدث في مصر بعد توحيد الصعيد والدلتا وقيام عصر الأسر. فنتائج تلك الحروب على السودان تمثلت في حرمانه من تطور نظمه وتحقيق وحدته فعاش في ممالك وإمارات صغيرة لم تتمكن من تطوير مواردها وتقدم حضاراتها.
كما لم تحقق سياسة المواجه العسكرية في الجانب المصري النتائج المستهدفة. فالحروب كلفت الدولة كثيراً، وفشلت مصر في إخضاع المناطق التي تسعى إلى استغلال مواردها رغم اقامة عدد كبير من القلاع والحصون لتأمين تلك المصالح. فبدأت في الفترة الأخيرة من عصر الأسرة السادسة في تغيير سياسة المواجهة والحروب، والسعي إلى تحقيق أهدافها وأطماعها في ثروات السودان بالوسائل السلمية والدبلوماسية. فأرسلت مصر الوفود والبعثات في الفترة الأخيرة من عصر تلك الأسرة لعل أشهرها بعث حرخوف، وتمكنت من تأمين مصالحها التجارية وغيرها. وتواصلت علاقاتها مع الممالك والامارات السودانية التي بلغ عددها في آثار الأسرة السادسة ثلاثة عشرة موضعاً بين مملكة وإمارة.
تأريخ الصراع بين القرنين 22 – 18 ق م
تبد أهذه الفترة بدخول مصر في مرحلة ضعف وانهيار بعد عصر الأسرة السادسة في القرن 22 ق م فيما يعرف في التاريخ المصري بفترة الانتقال الأولى. ولم تكن مصر في هذه الفترة في وضع يمكنها من التدخل في شؤون السودان. وتوقفت الحروب بين البلدين مما أدى إلى تطور الأوضاع السياسية فازدهرت حضارة وممالك السودان مثل مملكة كوش في كرمة ومملكة واوات في المنطقة التي يُطلق عليها حضارة المجموعة ج C-Group وحضارة المِجا التي يُطلق حضارة المقابر القُبّعِية Pan Grave. وضعف العلاقات التجارية والسياسية بين البلدين في هذه الفترة، لكن تواصلت العلاقات الاجتماعية والثقافية على المناطق الحدودية شمالاً حتى منطقة الاقصر الحالية
وعندما استعادت مصر وحدتها في القرن 22 ق م في عصر الأسرة الحادية عشرة عادت فترة التوتر والصراع بين البلدين، وتعرض السودان لعدد من الغزوات العسكرية. وسنعتمد هنا أيضاً على ما أورده عالم الآثار المصري الدكتور سليم حسن (تاريخ السودان المقارن صفحات 109 – 149) لأنه يعتمد في معلوماته بدرجة كبيرة على النصوص التي خلفها الملوك المصريين في آثارهم، ويعرض تلك النصوص في مواضع كثيرة في كتاباته.
ذكر سليم حسن أن شواهد الأحوال تدل على أن سياسة التوسع المصري جنوباً بدأت تظهر منذ العهد المبكر من تاريخ الأسرة الحادية عشرة. ووضح أن أهداف تلك السياسة كان منحصراً في استغلال ثروات الجنوب. ونورد مثالاً عن الأسلوب الذي نفذوا به تلك السياسة كما ذكر سليم حسن:
“وتدل شواهد الأحوال أن المصريين قد استخدموا العسف في فتح بلاد النوبة السفلى كما حدث ذلك في عهد الدولة الحديثة فيما بعد. فقد كان هَمّ الفاتحين استغلالها، ولذلك نجد النوبي الذي كان مستعدا أن يعمل للمصري قد أصبح يعامل معاملة سيئة.”
ونقل سليم حسن نصاً يقول على لوح وجد في منطقة وادي الهودي 28 كم جنوب شرق أسوان في عهد الملك سنوسرت الثالث (الأسرة 12) جاء فيه
“إن كل نوبي سيدفع الجزية بمثابة خادم ويعمل على حسب مشيئة هذا الإله تماماً ستبقى سلالته أبدية” ويشرح ذلك قائلاً: “وبعبارة أخرى على كل نوبي أن يسير سيراً حسناً في تقديم محصولاته لمصر” ولم تكن عبودية السوداني منحصرة على الآلهة فقط، بل كما ذكر في مكان آخر أن “النوبة خدم وعبيد في بيوت الأسياد” (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 433)
ويواصل الدكتور سليم حسن قائلاً:
“وكان السكان الوطنيون قد وقفوا في وجه أطماع المصريين بقوة ويأس شديدين، فقد رأى النوبيون في مطامع المصريين خطراً على استقلالهم، وخشيوا أن يتسلط المصريون عليهم ويخضعونهم لسلطانهم وبذلك يقضي على حريتهم كليةً … ولا أدل على ذلك أننا لم نجد في هذا الوقت [القرون 21 – 18] تبادلاً تجاريّاً بين البلدين يسير على طريق الود والمهادنة … وعلى ذلك لم يكن أمام مصر إلا أن تحتل بلاد النوبة احتلالاً عسكريّاً … أو “القبض عليها بيد من حديد ” (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 433)
وهكذا تمكنت مصر في مطلع القرن العشرين قبل الميلاد ولأول مرة في تاريخها وبعد أكثر من ألف سنة من بداية العصر الفرعوني من احتلال منطقة ما بين أسوان وحلفا عسكريا بعد أن خاضت العديد من المعارك وضمتها لحدودها نحو قرنين فقط. إذ لم يتعد هذا الاحتلال عصر الأسرة الثانية عشرة (1991 – 1786 ق م) أسس المصريون حلالها عددا كبيراً من الحصون أقام بها الجنود المصريين لمواجهة أي تحرك ضد وجودهم.” ونتناول فيما يلي بعض تلك الحروب:
عصر الأسرة الحادية عشرة: لم تدون الآثار المصرية عدداً كبيراً من الحروب في عصر هذه الأسرة. ولم تنجح محاولاتها السيطرة على مناطق جنوب أسوان، ويبدو أنها أخضعت القليل من المنطق على النيل وفي مناطق انتاج الذهب في الصحراء الشرقية. فقد جاء في الآثار أنه:
أ- تم العثور في آثار منتحتب الثاني على صور أسرى حرب من بلاد ستيو (المراد بها منطقة ما بين اسوان وحلفا) ومن بلاد نحسو (منطقة جنوب حلفا). وفي نقش آخر لنفس الملك ورد أن “النوبيون قد أصبحوا يدفعون الضرائب” واتضح في النص أن الذين كانوا يدفعون الضرائب هم أهل المزوي (أسلاف البجة الحاليين) في الصحراء الشرقية، وأهل واوات (جنوب أسوان) والتمحو (سكان الصحراء الغربية على الحدود الحالية بين السودان ومصر) (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص110-112)
ب- في نقوش أخري في عهد الملك منتحتب الثالث نقوش تعرض فيها القائد العسكري لأعماله الحربية في السودان ((سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 13)
عصر الأسرة الثانية عشرة: دارت في عصر هذه الأسرة عدد من الحروب منها:
أ- حروب امنمحات أول ملوك هذه الأسرة جاء في أحد آثاره: “لقد أذللت الأسْوَد واصطدت التماسيح وقهرت أهل واوات وأسرت قوم المزوي” ((سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 116)
ب- أرسل سنوسرت الأول عدد من الحملات لقطع الحجارة من الصحراء الشرقية جنوب شرق اسوان. (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 127) ولم يكن في مقدور المصريين من دخول أي منطقة في الصحراء الشرقية إلا بمصاحبة قوة عسكرية. وكانت تلك الحملات تشتبك مع سكان الصحراء وتسخرهم في بعض الأحيان – لو تمكنت من ذلك – في أعمال القطع أو التنقيب.
ت- أقام الملك سنوسرت الأول معبداً في منطقة وادي حلفا تخليدا لانتصاراته ووضح أنه كان يتحصل على جزية من بلاد مِزا. (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 صفحات 124، 126، 128)
ث- أرسل الملك امنمحات الثاني حملات علي الصحراء الشرقة جنوب شرق اسوان وعلى الصحراء الغربية جنوب غرب اسوان لقطع الحجارة. . (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 134، 136)
ج- أرسل الملك سنوسرت الثاني حملات على الصحراء الشرقية لإحضار الذهب
ح- بدأ الملك سنوسرت الثالث عهده بغارات على القبائل السودانية على الحدود السودانية المصرية وقاد عدداً من الحملات يقال إنها بلغت حتى الشلال الثالث. جاء عن الحملة الأولى: أن جلالته “سار بجيشه لأعالي النهر ليهزم الكوشيين الخاسئين” وأوضح على لوحة الحدود في سمنة: ” أيّ نحسي يتعداها في ذهابه نحو الشمال سواء أكان على البر أو في سفينة أو بحيوانات من أي نوع إلا إذا أتى بقصد التجارة أو معه رسالة ما، فإنه يعامل حينئذ معاملة حسنة، على شرط أن لا يسمح لسفينة فيها سود أن تتخطى سمنة ذاهبة إلى الشمال” (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 139 – 141)
وجاء في حملته الثانية أن “جلالته سار لهزيمة الكوشيين” وفي الحملة الثالثة شيد عدداً من الحصون منها ثمانية بين بوهين وسمنة، وكانوا يحتفلون في حصن سمنة بعيدين أحدهما يسمى “عيد طرد السود” والثاني يسمى “عيد شد وثاق المتوحشين”
وجاء على لوحة سمنة الثانية: “ولما كان الأسْود يُحكم بكلمة تخرج من الفم فإن الجواب الحاسم هو ردعه، وعندما يكون الانسان ماضي العزيمة في وجه الأسود فإنه يولي مدبراً …. على أن السود ليسوا بقوم أشدا لكنهم فقراء مكسوري القلوب … ولقد أسرت نساءهم وسقت ماشيتهم واقتحمت آبارهم وذبحت ثيرانهم وحصدت زرعهم وأشعلت النار فيما بقي منها” (سليم حسن، مصر القديمة ج 10 ص 144)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم