بسم الله الرحمن الرحيم
. تأملات رمضانية
. هذه الحلقة الثانية من سلسلة من التاملات خلال هذا الشهر المبارك ،نستعرض فيها خلال هذا الشهر بعض الخواطر والتاملات التي توحي بها هذه الايام المباركة،وليالي الشهر الفضيل ،امل ان تجد قبولا لدى قراء سودانايل وتكون خفيفة عليهم، ،واسال الله ان يتقبل من الجميع الصيام والقيام. وكل عام والجمبع بخير وصحة وعافية.
د.احمد محمد احمد الجلي
الأسبوع الثاني: القيم الكبرى في الإسلام (8–14 رمضان)
8-قيمة التقوى: المفهوم والممارسة:
أولًا: مفهوم التقوى:التقوى من القيم المركزية في المنظومة الأخلاقية الإسلامية، وهي ليست مجرد حالة روحية أو شعور قلبي معزول، بل مبدأ شامل يوجّه علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.وأصل التقوى في اللغة من الوقاية، أي جعل حاجزٍ يقي الإنسان مما يضرّه. وشرعًا هي: أن يجعل العبد بينه وبين سخط الله وقايةً بطاعته واجتناب معصيته.
وقد جعل الإسلام التقوى معيار التفاضل الحقيقي بين الناس، لا النسب ولا القوة ولا المال، كما ورد في قوله تعالى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾،وهذا المعنى يتكرر في وصف التقوى بانها جوهر الرسالة وأساس البناء الأخلاقي.
ثانيًا: التقوى بوصفها وعيًا أخلاقيًا:التقوى ليست خوفًا سلبيًا يشلّ الإرادة، بل هي وعيٌ أخلاقي حيّ، يجعل الإنسان حاضر الضمير، مراقبًا لذاته قبل أن يُراقَب من غيره.وهي بهذا المعنى:تحرّر الإنسان من العبودية للشهوة والهوى.وتزرع في النفس ميزانًا داخليًا يضبط السلوك.وتجعل الالتزام الأخلاقي نابعًاً من الداخل لا مفروضًا من الخارج.فالمتقي لا يلتزم بالقيم خوفًا من العقوبة وحدها، بل استجابةً لمعنى الحق والعدل.
ثالثًا: التقوى بين العبادة والسلوك:من الخطأ اختزال التقوى في الشعائر التعبدية فقط، رغم أهميتها، فالصلاة والصيام والزكاة وسائل لتزكية النفس، لا غايات منفصلة عن الواقع.
وتظهر التقوى الحقة في:الصدق في القول والعمل،والعدل في الحكم، خاصة عند القدرة،والأمانة في المسؤوليات العامة والخاصة،والرحمة في التعامل مع الضعفاء والمخالفين. ولهذا ربط الإسلام بين العبادة والأثر الأخلاقي، فجعل فساد السلوك دليلًا على خلل في حقيقة التقوى، لا في مظاهر التدين فقط.
رابعًا: التقوى في الحياة الاجتماعية والسياسية:على المستوى الاجتماعي، تمثل التقوى أساسًا للتعايش والعدل؛ إذ تمنع الظلم حتى عندما يكون ممكنًا، وتحدّ من استغلال السلطة والنفوذ.
أما على المستوى العام، فالتقوى:تضبط ممارسة القوة بالقيم،وتمنع تحويل الدين إلى أداة تبرير للفساد،وتجعل المسؤولية أمانة لا غنيمة.ولهذا كان غياب التقوى من أخطر أسباب الانحراف السياسي والاجتماعي، حتى في المجتمعات المتدينة ظاهريًا.
خامسًا: التقوى كقيمة إنسانية جامعة:رغم جذورها الإيمانية، تحمل التقوى بعدًا إنسانيًا عامًا، لأنها تؤسس لسلوك أخلاقي مسؤول، يحترم الإنسان لكونه إنسانًا.فهي ليست انسحابًا من العالم، بل مشاركة فيه بضمير حي، وليست قيدًا على الحرية، بل تحريرٌ لها من الفوضى والأنانية.
وجملة القول،فإن التقوى في جوهرها ليست شعارًا يُرفع، ولا مظهرًا يُستعرض، بل مشروع حياة، يبدأ من القلب، ويمرّ بالعقل، وينعكس في السلوك.وكلما تحولت التقوى من مفهوم مجرد إلى ممارسة يومية، أمكن للمجتمع أن ينتقل من التدين الشكلي إلى الأخلاق الفاعلة، ومن الخوف إلى المسؤولية، ومن الشعارات إلى القيم الحية. اللهم ارزقنا التقوى والاخلاص في القول والعمل وتقبل منا الصيام والقيام واعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار.
ا.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم