تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026
الجزء 1: من “حستو” إلى الميدان: الشروط المادية لميلاد الحزب 1946-1956
بقلم: إدوارد كورنيليو
لا تولد الأحزاب من فراغ. حين نعود إلى أغسطس 1946 ونفتش عن أول اجتماع صغير ضم حفنة من الشباب في الخرطوم ليعلنوا ميلاد الحركة السودانية للتحرر الوطني “حستو”، يجب أن نضع الكتب جانباً وننصت لهدير القطار. سكك حديد السودان لم تكن مجرد وسيلة نقل؛ كانت مصنعاً اجتماعياً أنتج طبقة جديدة بالكامل. آلاف العمال الميكانيكيين، عمال الدريسة، سائقي القطارات، موظفي المحطات؛ هؤلاء لم يعودوا فلاحين يرتبطون بالأرض، ولم يكونوا حرفيين يملكون أدواتهم. كانوا مأجورين يبيعون قوة عملهم لشركة واحدة تحتكر النقل. هذا هو الشرط الأول: ظهور البروليتاريا الصناعية.
الشرط الثاني جاء من الحقول. مشروع الجزيرة حوّل 2 مليون فدان إلى مزرعة قطن واحدة تُدار بعقلية شركة مساهمة. المزارع لم يعد حراً. أصبح عاملاً زراعياً مقيداً بدورة إنتاج يحددها مكتب في بركات، وبسعر يحدده بورصة لندن. العلاقة الإقطاعية القديمة بين الشيخ والتابع تآكلت لصالح علاقة رأسمالية صريحة بين إدارة المشروع والمزارع. التمردات التي قادها مزارعو الجزيرة في الأربعينيات لم تكن ضد “الظلم” مجرداً، بل ضد علاقة إنتاج جديدة تفرض عليهم شروطاً لم يألفوها. من هنا جاءت الحاجة إلى لغة جديدة، إلى نظرية تشرح لماذا أصبح عرقهم يتحول إلى أرباح في بنوك مانشستر.
الشرط الثالث كان التعليم الكولونيالي. كلية غردون ومعهد بخت الرضا أنتجا شريحة من المثقفين الصغار البرجوازيين. هؤلاء تعلموا شكسبير وآدم سميث، لكنهم عادوا إلى أحياء الخرطوم ليجدوا أهلهم يسكنون الصفائح. الاغتراب كان مزدوجاً: اغتراب عن مجتمعهم التقليدي الذي لم يعودوا جزءاً منه، واغتراب عن الدولة الاستعمارية التي علمتهم ثم أغلقت أبوابها في وجوههم. عوض عبد الرازق، عبد الخالق محجوب، التجاني الطيب؛ هؤلاء لم يختاروا الماركسية صدفة. كانت هي الأداة الفكرية الوحيدة التي قدمت لهم تفسيراً علمياً لاغترابهم ومشروعاً لتجاوزه. لذلك لم تكن “حستو” استيراداً، بل ترجمة محلية لتناقض عالمي.
حين نزلت “حستو” إلى الشارع، لم ترفع شعار الاشتراكية فوراً. التحليل الملموس قال إن السودان “شبه إقطاعي شبه مستعمر”. المهمة الأولى هي الاستقلال الوطني، وتفكيك بقايا الإقطاع، وبناء نقابات تدافع عن الأجر. هذا ما يفسر التحالفات المبكرة مع حزب الأمة والاتحادي. كان الحزب يدرك أن البرجوازية الوطنية، رغم ترددها، جزء من جبهة مناهضة الاستعمار. الخطأ سيأتي لاحقاً حين تتحول هذه التكتيكات إلى استراتيجية دائمة؛ لكن في 1946 كانت ضرورة.
1953 كان مفصلياً. في مارس من ذلك العام قررت اللجنة المركزية أن “الحزب لن ينسخ التجارب”. الجملة تبدو بديهية اليوم، لكنها في سياق الحرب الباردة كانت ثورة داخل الثورة. الأحزاب الشيوعية العربية كانت تنظر إلى موسكو كقبلة. الحزب السوداني قال مبكراً: بوصلتنا هي الواقع السوداني. لذلك رفض الانخراط في أزمة الشيوعيين المصريين، ورفض إدانة تيتو، وبنى علاقة نقدية مع الحزب الشيوعي الصيني. هذا الاستقلال الفكري هو الذي سمح له لاحقاً بأن يقود ثورة أكتوبر دون إذن من أحد.
1954 صدرت “الميدان”. الاسم نفسه برنامج. ليست “البرافدا” ولا “طريق الشعب”. الميدان هو المكان الذي يلتقي فيه الناس، حيث تصطدم المصالح وتُحسم المعارك. الصحيفة لم تكن منبراً نخبوياً، بل كانت تنشر أسعار الخضار في سوق أم درمان، وشكاوى عمال النقل، وقصائد شعرية بالعامية. كانت تحاول أن تجعل الماركسية لغة يومية. هذا ما يفسر انتشارها. في بلد كانت الأمية فيه تتجاوز 80%، كانت “الميدان” تُقرأ بصوت عالٍ في المقاهي.
1956 أُعلن الاسم الرسمي: الحزب الشيوعي السوداني. الاستقلال تحقق، لكن المهمة الوطنية الديمقراطية لم تكتمل. الدولة الجديدة ورثت الجهاز البيروقراطي والعسكري الكولونيالي كما هو. الإقطاع في الأطراف لم يُمس. الرأسمال الأجنبي غيّر جلده من بريطاني إلى أمريكي. الحزب دخل المرحلة الجديدة وهو يحمل إنجازات ضخمة: أقوى اتحاد عمال في أفريقيا، اتحاد مزارعين هز الجزيرة، وتيار طلابي ونسوي تقدمي. لكنه حمل أيضاً بذور أزمته: قيادة برجوازية صغيرة، قاعدة مركزة في المدن الثلاث، غياب شبه كامل عن دارفور والجنوب والشرق، ونظرية للمسألة القومية لم تتجاوز شعار “حق تقرير المصير” المجرد.
بين 1946 و1956، بين “حستو” و”الميدان”، وُلدت كل التناقضات التي ستنفجر لاحقاً. وُلدت إمكانية أن يكون الحزب قائداً لثورة، ووُلدت أيضاً إمكانية أن يصبح ضحية لتحالفاته. وُلدت القدرة على بناء نقابات، ووُلدت العجز عن بناء حزب في الأطراف. هذا هو القانون الديالكتيكي: كل ولادة تحمل موتها المحتمل. مهمة المؤرخ ليست إدانة الماضي، بل فهم لماذا صار ما صار؛ حتى لا نكرر السير في الدائرة نفسها. في الجزء القادم سنرى كيف دفعت هذه التناقضات الحزب إلى ذروة أكتوبر ثم إلى هاوية الشجرة.
tongunedward@gmail.com
