بقلم: م. أمير حميدة أبوالمك
في خضم الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023، والتي خلّفت أوضاعاً إنسانية وأمنية كارثية، تبرز مبادرات سياسية تسعى إلى تقديم رؤى بديلة لوقف نزيف الدم وبناء مستقبل مدني ديمقراطي. من بين هذه المبادرات، يبرز تحالف “قوى الثورة للقضايا الوطنية” (وطن) كإطار جامع لقوى سياسية ومدنية، يحاول صياغة مسار مختلف عن التجارب السابقة التي أخفقت بسبب الخلط بين العسكري والسياسي.
تستند رؤية التحالف إلى مجموعة من الوثائق التأسيسية التي تحدد مبادئه وأهدافه، وأبرزها “إعلان المبادئ”، و”ورقة موقف بشأن الحوار مع القوات المسلحة”، إلى جانب ورقة “الحوار السوداني – السوداني” . هذه الوثائق تكشف عن محاولة جادة لبناء توافق وطني مدني، لكنها في الوقت ذاته تعكس حجم التحديات التي تواجه هذا المسار في بلد يعاني من صراعات معقدة.
الفرص: رؤية واضحة واستقلالية المسار السياسي
يمثل التحالف فرصة حقيقية لإعادة تشكيل الخطاب السياسي السوداني بعيداً عن الإقصاء والاستقطاب الحاد. أولى هذه الفرص تكمن في وضوح الرؤية التي تقدمها وثائق التحالف. ففي “إعلان المبادئ”، يتم التأكيد على “الدولة المدنية الديمقراطية” كمشروع وطني جامع، مع تبني نظام فيدرالي لا مركزي يضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة. هذا الإطار النظري يقدم أرضية مشتركة يمكن أن تلتقي حولها قوى سياسية واجتماعية متنوعة.
أبرز ما يميز رؤية التحالف هو إصراره على استقلال المسار السياسي المدني عن المسار العسكري، وهي فكرة جوهرية وردت بتفصيل في ورقة “الحوار السوداني – السوداني”. حيث يرى التحالف أن الخلط بين المسارات كان سبباً رئيسياً في فشل التجارب السابقة، محذراً من تحويل الحوار إلى “رهينة للتوازنات الميدانية أو الابتزاز المسلح”. هذا الطرح يمثل قطيعة منهجية مع نمط إدارة الأزمات في السودان، ويؤسس لحوار سياسي تنبع شرعيته من التوافق المدني لا من نتائج الصراع.
كما تقدم ورقة الموقف بشأن الحوار مع القوات المسلحة تصوراً متكاملاً لقضايا الحوار، تبدأ بإنهاء الحرب وبناء الاستقرار، وتنظيم العلاقة بين العسكريين والمدنيين، وتطوير المؤسسة العسكرية نحو الاحترافية والوحدة، وصولاً إلى قضايا العدالة الانتقالية. هذا التصور يظهر أن التحالف لا يكتفي بالشعارات، بل يسعى لمناقشة آليات عملية لتحقيق الانتقال المدني، مع الاعتراف بدور المؤسسة العسكرية في حماية السيادة، ولكن في إطار علاقة مؤسسية واضحة تحترم الاختصاصات.
التحديات: من النص إلى الواقع
رغم هذه الرؤية الطموحة، تواجه مساعي التحالف تحديات جسام تعكس تعقيد المشهد السوداني.
أول هذه التحديات هو استمرار الحرب ذاتها. فطالما أن البنادق تتصدر المشهد، ويتم حسم الكثير من القضايا على الأرض، يبقى أي حوار سياسي مدني مهددًا بالتهميش أو الاختراق. صحيح أن التحالف يدعو إلى فصل المسارين، إلا أن تطورات الميدان العسكري والأمني تظل مؤثراً قوياً على إرادة الأطراف وقدرتها على الانخراط في حوار جاد.
التحدي الثاني يتمثل في صعوبة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، سواء بين المكونات المدنية نفسها، أو بينها وبين المؤسسة العسكرية. تاريخ السودان السياسي مليء بالوعود المنقوضة والاتفاقات التي لم تنفذ. التحالف يدعو إلى “معالجة الانتهاكات المرتبطة بالحرب” و”تحقيق المساءلة وجبر الضرر”، وهي مطالب عادلة، لكنها في بيئة تتصدر فيها الأولويات الأمنية والإنسانية، قد تؤجل أو تؤجل، مما يخلق إحباطاً جديداً.
التحدي الثالث يتمثل في العلاقة مع الأطراف الإقليمية والدولية. فبينما ينفتح التحالف على الفاعلين الخارجيين “لحشد الدعم”، فإنه يشدد على ضرورة أن يظل دورهم “داعماً وميسراً، لا موجهاً أو وصياً”. هذا التوازن صعب التحقيق في ظل وجود مصالح وتدخلات خارجية معروفة في الشأن السوداني. شبهة “التدويل” أو فقدان الشرعية الوطنية تظل تهديداً لأي عملية حوار تتم خارج الحدود، وهو ما ينتبه إليه التحالف ويوصي بالتخطيط لنقل الحوار إلى الداخل متى تهيأت الظروف.
أخيراً، هناك تحديات البناء المؤسسي والتنفيذ. الدعوة إلى “حل جميع المليشيات” و”احتكار الدولة للسلاح” هي أهداف مركزية، لكن تنفيذها يتطلب إرادة سياسية وقدرة فعلية على فرضها، وهو ما يفتقر إليه المشهد السوداني الراهن الذي يشهد انقساماً عسكرياً حاداً.
خاتمة: الحوار المدني كاستحقاق تأسيسي
يبقى تحالف “قوى الثورة للقضايا الوطنية” (وطن) مشروعاً واعداً في سياق السودان المعقد. إنه يمثل محاولة جادة لبناء “كتلة مدنية قادرة على إنتاج الشرعية”، كما تصف وثيقته. الفرص التي يقدمها، وخاصة في وضوح الرؤية واستقلالية المسار السياسي، تشكل أساساً متيناً يمكن البناء عليه.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة التحالف على ترجمة أوراقه النظرية إلى أفعال عملية، وبناء تحالفات أوسع، والحفاظ على زخم الحوار في ظل استمرار الحرب. كما أن انخراط القوى العسكرية في هذا التصور، ولو من بوابة دورها القانوني في حماية الدولة، سيكون حاسماً. فالحوار المدني ليس بديلاً عن المسارات الأخرى، بل هو مكمل ضروري لها، واستحقاق تأسيسي لا يمكن تجاوزه إذا كان السودان يسعى حقاً إلى الخروج من حلقته المفرغة نحو سلام دائم وتحول ديمقراطي حقيقي.
golden.wrist.sd@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم