عبد القادر محمد احمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
قال لي صديق؛ لا تنسى أن الاسلاميين في بدايات انقلابهم، أصدروا مراسيم بموجبها إنهوا خدمة عشرات الآلاف من العاملين في الدولة، واعتقلوا عشرات المئات، واستولوا على أموال الناس بالباطل، وحلّوا الأحزاب والنقابات وصادروا ممتلكاتها، ومنعوا المحاكم من النظر في كل هذه المظالم.
هذا كله صحيح، ويمكن إضافة ما هو أفظع، غير أن الإغراق في تعداد جرائمهم يُوقعنا في خطأ المقاربة بين انقلاب استولى على السلطة بالقوة والغدر، وألغى الدولة والمجتمع، وبين ثورةٍ مجيدة جاءت بحراكٍ شعبيٍّ سلمي، رفعت شعار الحرية والعدالة، وسعت إلى إنهاء الاستبداد واسترداد الحقوق وبناء دولة القانون.
وبهذا المنطق يسقط حقّنا في توظيف انتهاكات الإنقاذ لتبرير تجاوز القانون باسم الثورة. إن أي مقاربة تُسقط هذا الفارق الأخلاقي والسياسي الجوهري إنما تُفرغ الثورة من معناها، وتعيد إنتاج منطق الاستبداد بغرض فشّ الغُبينة، لا بناء الدولة وتحقيق العدالة، وهذا ما كان يحذر منه الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، بقوله: «من فشّ غبينتو خرب مدينتو».
وقال آخر؛ “ياخي الكيزان ديل كريهين ومكروهين وما بتحبو ما تتعب نفسك بالكتابة”. ومع تحفظي على العبارة، فإنني لا ادعوا لحبهم ولا للتسامح المجاني بالقفز فوق الجرائم. بل هي دعوةٌ لتغليب مصلحة الوطن على منطق التشفي. فالكتابة هنا ليست دفاعًا عن أشخاص، بل محاولةٌ لفهم المأزق والخروج منه بأقل الخسائر التي تحمي الوطن من الضياع وتعيد الثورة لمسارها وتحقق أهدافها.
أما الحديث عن الكراهية؛ فإن كراهية الظلم والظالم مشاعر إنسانية طبيعية، لكنها تحتاج إلى ترشيد سياسي واجتماعي واعٍ، وهذا ما نفتقده. وفي المقابل؛ فقد وظف أهل الإنقاذ الكراهية لتفتيت الصف الوطني، وتحويل الغضب المشروع ضد الظلم والفساد إلى صراعات فئوية، ويتعمدون استدامة ونشر ظلمهم حتى يعتاده الناس ويفقدون الإحساس بالدهشة، فيواصلون أفعالهم دون رقيب.
ثم أن الكراهية المطلقة تدفع الإنسان إلى الاكتفاء بالسب واللعن، فيخرج من دائرة الفعل الإيجابي القادر على مواجهة الظلم، أو تقوده إلى أفعال طائشة ترتد عليه، ويكون المستفيد منها الظالم نفسه. ولذلك فإن الكراهية المطلقة تقود إلى التقدير السياسي الخاطئ، لأنها تستبدل التحليل بالانفعال، وتمكّن الظالم من جرّ خصومه إلى الأخطاء، وتُنتج قرارات وأفعالًا تخدم الظلم أكثر مما تواجهه.
وبالعودة إلى الموضوع الأساسي لهذه المقالات؛ لقد كان د. عبد الله إبراهيم صاحبَ رؤيةٍ حكيمة حين نصح اللجنة بالتقيد بالعدل وشدّد على حق الاستئناف ودور القضاء، انطلاقًا من أن العدل هو روح الثورة. غير أن التحول إلى النقيض، مهما كانت دوافعه، يجعل تلك الرؤية تبدو أقرب إلى اجتهادٍ نظري ارتبط بظرفه، أكثر من كونها موقفًا مبدئيًا.
يعكس هذا التباين في المواقف أزمةً أكبر واعمق طبعت مجمل الفترة الانتقالية، في ظل وثيقة دستورية شكلت واقعًا مفخخًا لا مفرّ منه. فبقدر ما نصّت بوضوح على أهداف وآليات الانتقال، احتوت على براكين كامنة تهدّد مسار الانتقال، ومن أبرزها ملف التفكيك، مما كان يستلزم من الذين تصدوا لإدارة الفترة الانتقال قدرًا عاليًا من الحكمة والرشد السياسي والقانوني، ورؤيةً متبصّرة قادرة على إدارة التحديات وتحييد المخاطر.
وهذا ما سنواصل في توضيحه،،،
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم