محمد صالح محمد
في دستور العشاق ثمة خيط رفيع يفصل بين كمال العقل وهاوية الافتتان؛ خيطٌ يقطعه المحب حين يهمس بملء نبضه “أنا مجنونك” هذه العبارة ليست مجرد اعتراف عابر بل هي إعلان تمرد على منطق الأشياء وانغماس كلي في كينونة الآخر حتى يغدو الفقدان نفياً للوجود والقرب هو الملاذ الوحيد من وحشة العالم.
فلسفة الغياب والحضور …
الحب في أرقى تجلياته ليس طمأنينة بل هو قلق جميل و أن أكون “مجنونك” يعني أنني اخترت أن أرى العالم من خلال عينيكِ وأقرأ الوقت بنبضات قلبكِ فهو أن تتحول التفاصيل الصغيرة و رائحة القهوة وقع الخطى ونبرة الصوت المبحوحة إلى طقوس يومية لا يستقيم الكون بدونها.
في هذا المقام يسقط “الأنا” ليبقى “أنتِ”؛ فالمجنون لا يرى نفسه إلا في مرآة من يحب ولا يسمع صوته إلا صدىً لنداء المحبوب.
ملامح الجنون العاشق …
لا يقتصر هذا الجنون على الهيام بل يتعداه ليكون حالة وجودية تتسم بـ:
تجاوز المنطق: حيث يصبح المستحيل ممكناً والبعيد دانياً في حضرة الخيال.
الوحدة الجامعة: أن أكتفي بكِ عن العالمين وأجد في صمتكِ بلاغةً تعجز عنها اللغات.
التلاشي الاختياري: أن أضيع فيكِ لأجد نفسي وكأن الضياع في مداركِ هو الهداية الكبرى.
“يقولون إن الجنون فنون وأنا أقول إن جنوني بكِ هو الفن الأسمى الذي أسطر به تاريخي الشخصي بعيداً عن ضجيج العقل وقيود الواقع.”
ما وراء الكلمات …
حين أقول “أنا مجنونك” أنا لا أتحدث عن مرض أو نقص بل عن امتلاء. هو فيض من الشعور الذي ضاق به صدري فاتسع له المدى فهو اعتراف بأنكِ لستِ مجرد عابر سبيل في حياتي بل أنتِ “السبيل” ذاته والوجهة التي تهرع إليها روحي كلما أثقلتها الأيام.
إنه الجنون الذي يعيد صياغة الألوان ويمنح للأشياء العادية قداسة استثنائية هو “اللامعقول” الذي يمنح لحياتي المعنى الوحيد الذي يستحق أن يُعاش.
رسالة إلى سارق الوعي في محراب جنوني بك …
إلى الذي به اكتملت فصولي
أكتب لكِ وفي صدري لغة تضيق بها الأبجدية فما عدت أجد في مفردات “الحب” و”الهيام” متسعاً لما أشعر به. لقد تجاوزتُ معكِ مراحل الشوق التقليدية ووصلت إلى تلك المنطقة الرمادية الجميلة التي يسميها العقلاء “جنوناً” وأسميها أنا “خلاصاً”
.
يقولون إن الجنون خروج عن النص وأنا منذ عرفتكِ مزقت كل النصوص القديمة واعتنقتُ عينيكِ دستوراً وحيداً أنا مجنونكِ ليس لأنني فقدت عقلي بل لأنني وجدت فيكِ عقلاً أسمى وفكراً أعمق وروحاً لا تشبهها الأرواح.
أتساءل أحياناً …
كيف يمكن لضحكة منكِ أن ترتب فوضى أيامي؟ وكيف لغيابكِ لدقائق أن يحيل كوني إلى صحراء قاحلة؟
إنه جنون اليقين بأنكِ لستِ امرأة عابرة بل أنتِ قدري الذي سكنته قبل أن أولد والوطن الذي لا أحتاج بعده إلى منفى .
لا تخافي من جنوني فهو أمانكِ المطلق و إنه القيد الذي يحررني من كل شيء إلا منكِ والضجيج الذي يسكت كل الأصوات ليبقى صوتكِ هو النغمة الوحيدة التي تطرب لها مسامع قلبي.
أنا مجنونكِ… وكفى بهذا الجنون شرفاً.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم