تظاهرات البلابسة… وما أشبه اليوم بالبارحة

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

ذكّرني ما حدث بالأمس ١٣/١٢/٢٠٢٥ من تظاهراتٍ داعية لاستمرار الحرب والقتال، خرجت بها جماعات “بل بس” أو ما يُعرفون شعبيًا بـ”البلابسة”، محروسةً ببنادق السلطة، ومُصوَّرة بعدسات وزارة إعلامها المضلِّل، وهم ينادون بشعار “جيش واحد، شعب واحد”، في وقتٍ بلغ فيه عدد المليشيات في السودان ما يقارب مئتين وسبعين حركة مسلحة، معظمها إمّا فرّخها جيش الحركة الإسلامية، أو خرجت من رحم القوات المسلحة نفسها، كما يحلو لقادة الجيش أن يقولوا.

وما أشبه اليوم بالبارحة…

فما جرى أعاد إلى الذاكرة، دون عناء، “اعتصام الموز” الشهير، الذي قُدِّم يومها بوصفه حراكًا شعبيًا، بينما كان في جوهره اعتصامًا مُدارًا، مُموَّلًا، ومُطعَّمًا، جرى فيه استئجار الشارع وتزييف الغضب، للضغط السياسي من أجل إسقاط الحكومة المدنية.

و”اعتصام الموز” هو الاسم الساخر الذي أطلقه السودانيون على ذلك الاعتصام الذي نُظِّم أمام القصر الجمهوري في الخرطوم أواخر عام ألفين وواحد وعشرين، قبيل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، بواسطة قوى وواجهات مرتبطة بالجيش وبالحركة الإسلامية، تحت اسم “تصحيح مسار الثورة”، وهو شعار قولة حق أُريد بها باطل.

وسُمّي بـ”اعتصام الموز” لأن المشاركين فيه كانوا يُزوَّدون بالطعام والفاكهة، وعلى رأسها الموز، بصورة منظّمة، في مشهدٍ يفضح من يقف وراءه… في ذلك الاعتصام، خرج إلينا وقتها ذلك الصوت المشروخ، الذي كلكم تعرفونه وتعرفون صاحبه، وهو يقول:

“الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع”…

وكان البيان المقصود هو بيان حلّ الحكومة المدنية، وفتح الطريق أمام الانقلاب والخراب.

وما أشبه اليوم بالبارحة…

فقد خرجت لنا أصوات شبيهة في هذه التظاهرات، وذهبت أبعد من ذلك، وهي بذات الصوت المشروخ تنادي بسلطة الجيش وإقصاء المدنيين. هكذا جرى تحويل معنى الشارع من فضاءٍ للتعبير الحر، إلى أداةٍ تُستدعى عند الحاجة.

الجبهة الإسلامية، في سعيها المحموم للعودة إلى السلطة، لا ترى في الشارع سوى مادة خام قابلة لإعادة التشكيل والاستنزاف. وحين تُستنفد أدواتها السياسية والعسكرية، لا تتردد في تحويل الإنسان المنهك إلى سلاح، والجوع إلى خطاب، والخوف إلى برنامج حكم. ولم تعد التظاهرات فعلًا سياسيًا طوعيًا، بل صارت بروفات جاهزة لإعادة إنتاج السلطة حين تشعر بالارتباك أو العزلة.

فكيف لنا ألّا نتوقف أمام هذه التظاهرات، وقد شاهدنا بأعيننا كيف جرى الحشد لها، وكيف نُقل الناس بسيارات الجيش، وكيف وُزِّعت المياه والمشروبات الباردة على المتظاهرين؟

وللحق، لم أرَ هذه المرّة موزًا يُوزَّع على المشاركين… ربما لأن الموسم لم يحن، أو لأن السلطة قرّرت أن تغيّر قائمة الضيافة.

هذا السلوك المدهش لا يتماشى مع ما عوّدتنا عليه ذات السلطة التي لم نعرف عنها، في مواجهة المتظاهرين السلميين، سوى الغاز المسيل للدموع والرصاص.

لهذا، فهذه التظاهرات ليست سوى قولة حق أُريد بها باطل.

فشعار “جيش واحد، شعب واحد” لم يولد في أفواه دعاة الحرب، بل كان هتافًا صادقًا ردّده الشعب السوداني حين خرج على الطغيان في أكتوبر، وفي أبريل، وفي ديسمبر، وفي كل الثورات العظيمة التي واجه فيها الناس السلطة بصدورٍ عارية… لا ليمنحوه شرعية للعسكر، كما يحدث الآن، بل ليدعوهم إلى الذهاب إلى سكناتهم العسكرية، وترك السلطة لمن هم أهلًا لها.

وما أشبه اليوم بالبارحة…

اليوم، يُعاد استخدام الشعار نفسه، لكن بعد تفريغه من معناه، وبعد قلب وظيفته رأسًا على عقب. لم يعد الشعار وسيلة لمساءلة القوة، بل صار غطاءً لها، ولم يعد صوتًا للشعب، بل قناعًا تُخفي خلفه السلطة خوفها من السؤال.

ومن هنا يأتي السؤال، لا بوصفه استفهامًا عابرًا، بل بوصفه محكًّا أخلاقيًا وسياسيًا:

هل تسمح سلطة بورتسودان بتظاهرةٍ للمعسكر الرافض للحرب بنفس هذه الكيفية؟

بنفس الحماية… بنفس الكاميرات… بنفس الادعاء بتمثيل الشعب؟

هل تسمح للشعب السوداني، الذي شُرِّد، وقُتِّل، وفقد بيوته وكرامته ومستقبله، أن يقول علنًا: “لا لهذه الحرب”؟

أم أن الشارع صار مباحًا فقط لمن يخدم أجندتهم المفضوحة،

وأن الهتاف مسموح به فقط حين يخدم حربًا تُسمّى زورًا وبهتانًا “حرب الكرامة”…

بينما الكرامة نفسها تُنتهك كل يوم،

وتُدفن تحت وطأة الجوع والنزوح والقتل،

ويُطلب من الضحايا أن يهتفوا باسم جلاديهم؟

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …