د. صلاح أحمد الحبو
اشترى الرجل هاتفاً جديداً، كان ينتظره منذ أشهر، وراح يتأمل لمعانه ومزاياه كما يتأمل طفل لعبته الأولى. وفي المساء جلس يقلب صوره، ويختبر تطبيقاته، ويستعيد ذلك الشعور الذي يصاحب امتلاك شيء طال انتظاره. لكن الدهشة لم تصمد طويلاً؛ ففي اليوم الثالث أصبح الهاتف مجرد هاتف، وعادت الحياة إلى إيقاعها المألوف. وحين سأله صديقه عن الجهاز الجديد، أجاب بفتور: «والله كويس… لكن عادي». لم يكن الهاتف قد فقد شيئاً من مزاياه، وإنما كان الإنسان قد فقد شيئاً من قدرته على الابتهاج به.
في تلك العبارة العابرة تختبئ واحدة من أكثر مفارقات الحياة المعاصرة تعقيداً: لماذا لم تعد الأشياء الجميلة تكفينا؟ ولماذا يتناقص أثر الفرح كلما اتسعت قدرتنا على امتلاك أسبابه؟ كأن الإنسان أصبح أكثر مهارة في الحصول على ما يريد، وأقل قدرة على الاستمتاع بما يحصل عليه.
لسنا أمام أزمة في الأشياء بقدر ما نحن أمام أزمة في علاقتنا بها. فالجمال لم يختفِ من العالم، لكن وتيرة الحياة المتسارعة جعلت التجربة تمر أمامنا قبل أن تترك أثرها. نلتقط الصور أكثر مما نتأمل المشاهد، ونوثق اللحظات أكثر مما نعيشها، وننتقل من رغبة إلى أخرى دون أن نمنح أنفسنا فرصة لفهم ما تحقق.
في علم النفس، تساعدنا فكرة «التكيف اللذّي» على تفسير هذه الظاهرة؛ إذ يميل الإنسان إلى الاعتياد على التحسن في ظروفه، فتتراجع تدريجياً الاستجابة العاطفية لما كان يمنحه سعادة استثنائية. وقد ناقش فيليب بريكمان ودونالد كامبل هذه الفكرة في دراستهما عن النسبية اللذّية، موضحين كيف يمكن أن يتكيف الإنسان مع التحسن المستمر دون أن ترتفع سعادته بالقدر المتوقع [1]. والمشكلة ليست في الاعتياد ذاته، وإنما في تحوله إلى سباق لا ينتهي، يصبح فيه كل إنجاز مقدمة لرغبة جديدة.
وقد ميّز المفكر إريك فروم بين نمطين للوجود الإنساني: «التملك» و«الكينونة». ففي الأول يستمد الإنسان قيمته مما يمتلكه، بينما يتصل الثاني بما يعيشه ويبدعه ويمنحه من معنى. ويختصر فروم هذا التمييز بقوله، في ترجمة لمعناه: «في نمط الكينونة تكمن السعادة في المحبة والمشاركة والعطاء» [2]. ومن هذه الزاوية يمكن فهم مفارقة الوفرة الحديثة؛ فقد تتضاعف الأشياء التي نملكها دون أن تتسع بالضرورة الحياة التي نشعر أننا نعيشها.
ولعل التعب الأكثر خفاءً ليس تعب الجسد، وإنما تعب المعنى؛ ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يؤدي واجباته، ويحقق أهدافه، ويواصل يومه بصورة طبيعية، بينما يتساءل عن جدوى هذا التكرار. إنه ليس حزناً بالضرورة، ولا دليلاً على اضطراب نفسي، بل قد يكون تعبيراً عن فجوة بين حركة الحياة والإحساس بقيمتها.
وفي فلسفة المعنى، يضع فيكتور فرانكل البحث عن المعنى في مركز التجربة الإنسانية، مستحضراً مقولة نيتشه: «من يملك سبباً يعيش من أجله يستطيع احتمال أي كيفية تقريباً» [3]. غير أن الثقافة الاستهلاكية تعيد ترتيب السؤال؛ فبدلاً من أن نسأل: ما الذي يجعل حياتنا جديرة بأن تُعاش؟ أصبحنا نسأل: ما الشيء التالي الذي ينبغي أن نحصل عليه؟
وهنا تتجلى المفارقة؛ فالسوق لا يبيع الأشياء وحدها، وإنما يبيع الوعود المصاحبة لها: السعادة، والتميز، والقبول الاجتماعي، والشعور بالاكتمال. وحين لا تتحقق هذه الوعود، لا نراجع الفكرة التي ربطت سعادتنا بالاستهلاك، وإنما نبحث عن سلعة أخرى تحمل الوعد نفسه. وهكذا يتحول النقص من حالة عابرة إلى محرك دائم للرغبة.
وفي الثقافة السودانية، ارتبطت بعض صور الفرح ببساطة الاجتماع الإنساني؛ جلسة شاي، ولمة أهل، وحديث عابر في حوش البيت، أو عبارة «تعال أقعد معانا شوية». ولم تكن تلك الحياة خالية من المشقة والحرمان، لكنها تذكرنا بأن قيمة اللحظة لا تتحدد دائماً بما ننفقه عليها. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل الماضي إلى فردوس متخيل؛ فالفقر ليس فضيلة، والحرمان لا يصنع المعنى تلقائياً.
إن النقد الحقيقي لا يتجه إلى الوفرة المادية، وإنما إلى تحويلها إلى المقياس الوحيد لجودة الحياة. فالمجتمع الذي يقيس النجاح بما يملكه الإنسان أكثر مما يقيسه بما يعرفه ويبدعه ويمنحه للآخرين، قد ينتج أفراداً ناجحين في الظاهر، لكنهم مرهقون بمطاردة صورة لا تكتمل.
وقد وصف زيغمونت باومان تحولات الحداثة المعاصرة بمفهوم «الحداثة السائلة»، حيث تتراجع الأشكال المستقرة للحياة أمام سرعة التحول وهشاشة الروابط. ويرى أن الحياة المنظمة حول الاستهلاك تحركها «الرغبات المتزايدة والمتقلبة» [4]. ومن هذه الزاوية، لا يبدو فقدان الدهشة نتيجة لوفرة الأشياء وحدها، بل لندرة الوقت الذي نمنحه لها، وللعلاقات التي تمنح التجربة عمقها الإنساني.
ولعل السؤال الأهم ليس كيف نستعيد دهشتنا الأولى بكل شيء، وإنما كيف نتعلم رؤية المألوف دون أن نفقد الإحساس بقيمته. كيف نمنح الأشياء وقتها، والناس حضورهم، والإنجازات معناها، دون أن نطالب كل لحظة بأن تكون استثنائية؟
إن الحياة لا تصبح أكثر امتلاءً بمجرد إضافة المزيد إليها، وإنما حين نستطيع التمييز بين ما نحتاج إليه حقاً وما تعلمنا أن نرغب فيه. وربما كان النضج الإنساني أن نتحرر من الاعتقاد بأن السعادة تنتظرنا دائماً في الشيء التالي.
فليست المشكلة أن الأشياء الجميلة فقدت جمالها، وإنما أننا أصبحنا نستهلك الدهشة قبل أن نعيشها. وحين يتعب المعنى، لا يحتاج الإنسان بالضرورة إلى مزيد من الأشياء، بل إلى أن يستعيد قدرته على رؤية ما لديه، وأن يسأل نفسه: هل ينقصني شيء جديد، أم تنقصني طريقة جديدة للحياة؟
الهوامش والمراجع
[1] بريكمان، فيليب، وكامبل، دونالد (1971). «النسبية اللذّية والتخطيط للمجتمع الجيد»، ضمن التكيف ومستوى التكيف: ندوة علمية.
[2] فروم، إريك (1976). التملك أم الكينونة؟، هاربر ورو، نيويورك.
[3] فرانكل، فيكتور (1946). الإنسان يبحث عن معنى، مع الاستشهاد بمقولة فريدريك نيتشه عن الغاية من الحياة.
[4] باومان، زيغمونت (2000). الحداثة السائلة، دار بوليتي، كامبريدج
