تعليم المقهورين .. بقلم: د. مني بابكر

يقول باولو فيراري في كتابة  المعنون أعلاه ، 
ان تحرير  المضطهد  لا يتم  فقط  بمنحه    هبة  الحرية .. لان ذالك لا يخلق منه شخصا حرا ،  بل   يعني  إعطاء سلطة  لقاهر  جديد !!…
و ذالك ببساطة لان من تربي علي القمع  و الاستبداد ،  لا يفهم   معني الحرية . فهي  ليست معرفة  في قاموسه  .  و لا  من المصطلحات التي تربي  عليها عقله .. وهي  امر    غاب  عن  ممارسته الحياتية. ..  و شي  غامض  مبهم . أوكل   الية  ..و لا يدري  كيف  يستعمله .   و هو يتصرف  وفق  تعاليم  و سلوكيات  تمت  تنشاءته عليها ،  يعيها و  يجيد  لعبتها  .. فيتحول  هو  ان  تم  تحريره   الي  قاهر و قيصر  جديد ..
و خلص      فريري  ايضا الي ما هو  ابعد من ذالك .  اذ قال ان الطاغية    هو  نفسه   شخص مستغل  ، وهو   ايضا  ضحية الذين  هم  تحته   و  من  استغلهم .. اذ انهم  بقبولهم  للقهر  و الاستبداد ،  قد اثروا و رسخو  في عقل  المستبد مفاهيم  القمع  و الازلال .. و سلبوه  انسانيته ،  و لم يتركوا  مجالا  لغيرها  من المفاهيم  ارضية لتذدهر  فيها .. اي  انهم. ببساطة  قد افهموا  الطاغية   ان  الاكراه    مجدي   ..وانه. وسيلة سهلة و فعالة .. و بذالك سلبوا  القاهر  شعوره  بإنسانيته ..
و من الحالتين  خلص الي  نظريته  في التعليم .  وهي ان التعليم  عملية متبادلة  بين المعلم  و تلميذه  .. و ان الفعل  التعليمي  هو نشاط  متبادل  بين  الطرفين  معاً.. 
.. وخلص في  كتابة  الشهير الي ان العملية التعليمية. ليست مثل  الحساب البنكي  ،  تستطيع تعباءته  و إفراغه  كما تشاء .. و إنما هي  عملية ديناميكية  . و بناء   ممرحل   و متكامل .. يكون بإحالة  نماذج فكرية  و محيها .. و بناء  نماذج اخري  مكانها  في عملية  تفاعلية  مستمرة ،  تحت  وعي  و إدراك  كامل  بين المعلم  و المتلقي  ، من خلال  التفاعل  المستمر  بين  الاثنين..
تفسر  هذة  الاطروحة  جزءا  مما يشهده  عالمنا العربي ، و ماءلات  ما يسمي  بالربيع العربي   ..اذ  ان احد  مراحل  هذة  الثورات  ، و احدي حلقاته   هي  الفوضي  و الاستبداد .  و انفراط الأمن  و كل ما نشهده  الان  من  الدمار  الشامل  ، و التردي  الفكري  و الاجتماعي ..
و هي  مرحلة  تحرير  المضطهد  و اعطاءه  سلطة .. و قوة  في لعبة لا يحسّن  قواعدها  .. بل  هي مفاهيم  لا مساحة  لها في  عقله  المشكل  بمفاهيم الاستبداد و التسلط  ..و التحرير  خيار   عقلي  . و تربية  و حاله  ذهنية ،  قبل  ان  يكون  وضعا سياسيا  فقط ..
الحرية  و الديمقراطية  مفاهيم  مركزية  تقوم عليها  أسس التربية  باكملها ..و.  العقل  الذي تمت  تنشاءته في  منظومات  تقوم   كلها  علي الهرمية ،  من  الاسرة  و الأب ،  ثم الزوج  و المدرس  و حتي كبار  السن ،  كلها منظومات تراتبية  تكرس لمفهوم الهرمية  في السلطات  جميعا .. في ظل  هذة  المنظومات  التراتبية يصعب  ان نغرس  في الفرد  مفاهيم  مثل. جماعية  القرار ،  و ثقافة الحوار .. لانها  ببساطة لا تلاءم   الوسط  الفكري  . و حسب نظرية  فريري  فان  المتعلم   ليس حسابا  بنكيا  و ليس  سلة . نضع فيها ما نشاء .. و لكن العقل  ذكي  .  هو ايضا   يختار  ، و  ينسجم  ، و ينتخب   ما يناسب الوسط  السائد داخله . و يقوم  بلفظ   كل غير المناسب  ، الملوث  للبيئة  الموجودة  خلاله.  .. و لا يتوقف عند ذالك بحسب بل و يرتد فيؤثر  علي من يلح  علية  بإدخال مفاهيم  و تعليمات غير ملائمة  . و يقوم بتدجينه  و تتم العملية  الاخيرة  في  وعي المتلقي. و المربي ايضا .. و في هذة  النقطة  الاخيرة  تكمن  الخطورة ..في هذه  الاطروحة ..
الاطروحة  ايضا  تقدم  لنا تفسيرا  لما يحدث هذة الأيام من ظاهرة.  كتابات الثَّكلَي ،  و انتشار ثقافة الولولة ،  و التعديد  التي  صاحبت  كتابات  ذكري الاستقلال  . علي خلفية  اننا شعب اجاد ابطال الثورات ..  و ذالك كله نتج عن نظرة بسيطة      لمفهوم  الثورة ابتداء .. وهو  التغيير .. و دون اصطحاب  لاي  تنظير  علمي  عميق  للتجربة .. و لا حتي  نظرة فاحصة  للتاريخ  ..اذ ان غرس   مفاهيم  جديدة مثل  الديمقراطية  و الحرية  ، و ارساء  ثقافة الحوار .  قد استغرق  الامم  قرونا .. و كانت المرحلة  الأولي  منه كلها  تنصب في هدم  المفاهيم و القوالب  القديمة . و  كانت. تلك المرحلة  الأولي  هي الأطول  تاريخا .. و من بعد ذالك  تلتها  عملية البناء علي ارضية نظيفة  و صحية ..
فالنظام  و المفاهيم  الأرستقراطية  لم تنمحي  من المجتمعات  الغربية ،  الا بحلول  القرن  العشرين  بعيد الحرب العالمية الأولي  ..و تمت عملية الهدم  في  مشاهد  سريالية  ..و انهيار و فقدان  للتوزان الاجتماعي  و السياسي  الكامل .. بل  و تزامن  ذالك  مع  ظهور  فلسفات  فوضوية   و عدمية  ، مثلت مرحلة التساؤل و التشكك في جدوي و أصل كل تلك المفاهيم   ،..  ثم مهدت  الطريق لبناء مفاهيم جديدة مركزها العقل و الإرادة الفردية ،    قادت   و طورت  الحضارة  الأوربية    في بدايات  القرن  العشرين  ..و انارت  تطور  تاريخ العلم  التجريبي الحديث ..و ما كان  للعقل  العلمي  التجريبي  ان يُنشاء  و ينسجم مع  تلك المفاهيم ،  و لكنه  نبت بعد  ان تفرغ  العقل الأوربي  منها  تماما ..
و لو اخذنا  الديمقراطية  كمفهوم  مثلا  . نراه بدا في  تعريفه  الأولي    كنظام  الحكم  ..وهو  حكم الشعب  بالشعب .. و لم  يتحقق  ذالك النظام   في بلدة  الأصل  الا   بعد  قرن  كامل .. و انتهت دورات  منه  بحملات  نابليون .. و السبب في  ذالك   ان  مفاهيم  الديمقراطية  لم  تكن  لتنسجم  في  بنية  العقل  الملكي  اللاهوتي  ..و  الذي  يقوم علي التراتبية  السلطوية  البطريقية .. و تصديقا لأطروحة  فيريري  ، و هي  التفاعل  بين   المعلم و المتلقي .. تطور  المفهوم  الديمقراطي  الي  تعريفه   الاعم   . و هو  جماعية  القرار رأيا كان  ، علي مستوي الاسرة  و المجموعات   . و من  ثم  المجتمع .. و ظلت  مفاهيم  الديمقراطية  تزيح  قليلا قليلا المفاهيم السلطوية  ،  مثل هيمنة الأب  ، و الاسرة  ، و كبار السن  ، و رجال الدين  ، و المجتمع   و إحلالها  رويدا رويدا  بمفاهيم  مثل الإرادة   الفردية . و حرية  الاختيار ،  و المسؤلية الفردية ..  و السيادة الذاتية  ،  و اثراء  ثقافة الحوار.  و غيرها ..ثم يتبع تبدل  المفاهيم  هذة  و ببطء  تبدل  المواقع حول  الهياكل  ،  و التي   أصبحت   تحتوي  علي  كثير  من المتوازيات  في  العلاقات .  الامر  الذي  يبدوا. جليا جدا في نموذج  الاسرة  ..اذ نري  ان  الرجل الأوربي  الذي  تربي  علي  مفاهيم  معينه ,  يتعايش  مع علاقات  التوازي  هذة ،  بدرجة  كبيرة    ايا كانت. درجة  تعليمة ،، بينما يصعب علي  زوج  اخر  ، من ثقافة  اخري ،   التعايش  مع  هذا التوازي .   مهما  كان  إعجابه  بالنموذج ,  و نراه يكرر السقوط   و الانكفاء  رغم  اجتهاده ..
مناسبة  هذة  المقدمة  الطويلة  جدا ، ان  جاز  ان تكون  مقدمة .. هي ما نراه  الان ،  في  تجسيد لهذا  المثال  في مسيرة  لجنة  التسيير  للجالية السودانية    بواشنطن  الموكل  اليها  قيادة  مسيرة  الديمقراطية  التي  تعثرت ،   بسبب  غياب  المفاهيم أعلاه ..
و لكن  يبدو  ان  العقل  المنشاء  في  الشمولية  و الذي  تربي  علي  القمع  ، و تشكل  بالقهر .. يحسّن  فقط  الفهم  السلطوي   .. و يجيد استعمال  أدواته ..
ففي  حين   ان  التوصية  بتشكيل  لجنة    ، قد يفهم  في  العقل  الديمقراطي ،  ان   يكون  تكويناً  بالتعيين  او   بالانتخاب   .. فان  له  في العقل  الشمولي   الحدي  ، مفهوما  أحاديا  فقط  ..و هو   التعيين ..
و في الوقت الذي  يفهم   فيه العقل  الديمقراطي ان  التعيين  ايضا  لابد  ان  يؤمن  له  ،  و يكون بالإجماع  الأدني .. فان  التعيين  في  العقل الشمولي  القمعي  يعني  التعيين  بالقرار الجمهوري  فقط ..كلمة   التكوين  تكون   عنده  مطابقة   تماما  لكلمة  التعيين.. و التعيين  نفسه يكون  مطابقا  تماما  للقرار  الجمهوري.  ..
و هنا  تبدو  أزمة  التفكير و التربية… 
في  النظام  الديمقراطي  ،  لا  توجد  اي  مساحة   للانفراد  باتخاذ  القرار. علي  الإطلاق ..النظام  كله يقوم علي الاجماع ، 
التكوين  للهيئات  و الأجسام  المختلفة   قد يكون بالانتخاب  او بالتعيين..و لكنها  جميعها  خاضعة للإجماع  
..و هناك ثلاث انواع من الاجماع .  
الاول و هو الاجماع الأدني ،  و يتمخض عنه قرارا يسمي تعيينا ..   
و الاجماع الاخر الاغلب ،   و  يسمي  القرار الذي ينتج عنه انتخابا.. 
اما الاجماع الثالث فهو  الأعظم  ، و يكون القرار الصادر منه قانونا ..
في الفهم الديمقراطي ، التعيين  هو عملية  كاملة  تبداء  بترشيح  ، و قبول طعون  قانونية  . و نقاش علي مستوي ضيق  . و يلزمه اجماع ادني .. و التعيين  ايضا  يكون  تحت  القانون ..  و اذا تم  الطعن     القانوني  في اي  جسم او فرد ..فانه  لا يجوز التعيين علي الإطلاق ..
المتتبع  لمسيرة  لجنة  التسيير  ، يلحظ  التردي المذريء   لكل هذة المفاهيم  .. و يري  التغييب الكامل  و الطويل للجمعية العمومية ،    في  كل مراحل انشاء هياكل  و لجان  تفتقر  الي الشرعية  القانونية  قبل  كل  شيء .

،   و يلاحظ ان  العملية قد تمت كلها   في الخفاء  ..و بعيدا عن علم    الجمعية  العمومية .
. تمت  كل  التعيينات  بقرارات جمهورية  ، موروثنا من ثقافة العالم الثالث !!  .. و تم   رفع كشوفات الترشيح لها من قبل   لوبيات الضغط السياسي فقط .. وانهيت  العملية  كلها  دون طعن ،  و لا تنقيح  و لا يحزنون  .. فاتت   عشوائية  متخبطة ، و هي اقرب الي تأليف القلوب  سياسياً  حول لجنة  التسيير  ، منها الي لجان فنية للعمل .. 
كما ان هذة اللجان برمتها هي لجان  غير قانونية 
اولا :  لجنة التسيير هي تكميلية لدورة اللجنة المستقيلة .. لا ادري لماذا و كيف تم حل المجلس الاستشاري ،  و تم تبديله ،  و لم يترك ليكمل هو ايضا دورته و هي السنتين  ؟؟ !!!!!.  
ثانيا : ما يسمي  باللجنة التعليمية ،  لا احد يدري ما مصدر  و غرض هذة اللجنة مجهولة النسب   ؟؟؟!!!
اما ما يسمي بلجنة الدستور غير الدستورية  . فلا احد يعلم كيف تم تشكيل هذا النبت الشيطاني .. لعلها نوستالجيا من احلام  الصبا  ، لجنة بدرية  سليمان  ، و غيرها لتعديل  و تصليح  الدساتير… 
أقول في الختام ،  
الانفراد بالقرار  . و القرارات الجمهورية .  و الذهنية  ذَات البعد الاحادي القطعي  ، و العقلية التراتبية  ، هي من مخلفات الزمن البائد .. و لابد من تحطيم و هدم هذة النماذج الذهنية    و السلوكية  اولا   ..وهي   مسيرة طويلة و مضنية  .. تأخذ  وقتا طويلا   و جهدا  .. و لكنها   كلها تبدأ   بالموافقة و الترحيب بالتغيير اولا  .  ثم الفعل المشترك  ثانيةً .  
و اختم بمقولة فيراري
انه لا يوجد شيء  اسمه  منح  الحرية لأحد.  
الفعل التحريري  هو عملية بناء مشتركة متكاملة. و  متجانسة  ..و هي  ايضا عملية   تفاعلية …

munno96@yahoo.com
///////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً